Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم
[البقرة: 244]. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب. عن حماد بن عثمان، عن الحسن أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم، قال: هم قوم فروا من الطاعون، فأماتهم الله عقوبة ومقتا، ثم أحياهم لآجالهم. وأولى القولين في تأويل قوله: { وهم ألوف } بالصواب، قول من قال: عنى بالألوف. كثرة العدد، دون قول من قال: عنى به الائتلاف، بمعنى ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض، ولكن فرارا، إما من الجهاد، وإما من الطاعون. لإجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية، ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين. وأولى الأقوال في مبلغ عدد القوم الذين وصف الله خروجهم من ديارهم بالصواب، قول من حد عددهم بزيادة عن عشرة آلاف دون من حده بأربعة آلاف وثلاثة آلاف وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم ألوف، وإنما يقال: هم آلاف إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف، وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف.
وإنما جمع قليله على أفعال، ولم يجمع على أفعل مثل سائر الجمع القليل الذي يكون ثاني مفرده ساكنا للألف التي في أوله، وشأن العرب في كل حرف كان أوله ياء أو واوا أو ألفا اختيار جمع قليله على أفعال، كما جمعوا الوقت أوقاتا، واليوم أياما، واليسر أيسارا للواو والياء اللتين في أول ذلك، وقد يجمع ذلك أحيانا على”أفعل”، إلا أن الفصيح من كلامهم ما ذكرنا، ومنه قول الشاعر:
كانوا ثلاثة آلف وكتيبة
ألفين أعجم من بني الفدام
وأما قوله: { حذر الموت } فإنه يعني: أنهم خرجوا من حذر الموت فرارا منه. كما حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { حذر الموت } فرارا من عدوهم، حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، فأمرهم فرجعوا وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله. وهم الذين قالوا لنبيهم:
ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله
[البقرة: 246] وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية على المواظبة على الجهاد في سبيل الله والصبر على قتال أعداء دينه، وشجعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه دون خلقه، وأن الفرار من القتال والهرب من الجهاد ولقاء الأعداء إلى التحصن في الحصون والاختباء في المنازل والدور غير منج أحدا من قضائه إذا حل بساحته، ولا دافع عنه أسباب منيته إذا نزل بعقوبته، كما لم ينفع الهاربين من الطاعون الذين وصف الله تعالى ذكره صفتهم في قوله: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت } فرارهم من أوطانهم، وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذي أملوا بالمصير إليه السلامة، وبالموئل النجاة من المنية، حتى أتاهم أمر الله، فتركهم جميعا خمودا صرعى وفي الأرض هلكى، ونجا مما حل بهم الذين باشروا كرب الوباء وخالطوا بأنفسهم عظيم البلاء. القول في تأويل قوله تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لذو فضل ومن على خلقه بتبصيره إياهم سبيل الهدى وتحذيره لهم طرق الردى، وغير ذلك من نعمه التي ينعمها عليهم في دنياهم ودينهم وأنفسهم وأموالهم. كما أحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بعد إماتته إياهم وجعلهم لخلقه مثلا وعظة يعظون بهم عبرة يعتبرون بهم. وليعلموا أن الأمور كلها بيده، فيستسلمون لقضائه، ويصرفون الرغبة كلها والرهبة إليه. ثم أخبر تعالى ذكره أن أكثر من ينعم عليه من عباده بنعمه الجليلة ويمن عليه بمننه الجسيمة، يكفر به، ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره، ويتخذ إلها من دونه، كفرانا منه لنعمه التي توجب أصغرها عليه من الشكر ما يفدحه ومن الحمد ما يثقله، فقال تعالى ذكره: { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } يقول: لا يشكرون نعمتي التي أنعمتها عليهم وفضلي الذي تفضلت به عليهم، بعبادتهم غيري وصرفهم رغبتهم ورهبتهم إلى من دوني، ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا.
[2.244]
يعني تعالى ذكره بذلك: وقاتلوا أيها المؤمنون فى سبيل الله يعني في دينه الذي هداكم له، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم، الصادين عن سبيل ربكم، ولا تجبنوا عن لقائهم، ولا تقعدوا عن حربهم، فإن بيدي حياتكم وموتكم، ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت، وخوف المنية على نفسه بقتالهم، فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم، والفرار منهم، فتذلوا، ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، الذين قصصت عليكم قصتهم، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري وحل بهم قضائي، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه إذ دافعت عنهم مناياهم، وصرفتها عن حوبائهم، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني، فإن من حيي منكم فأنا أحييه، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله. ثم قال تعالى ذكره لهم: واعلموا أيها المؤمنون أن ربكم سميع لقول من يقول من منافقيكم لمن قتل منكم في سبيلي: لو أطاعونا فجلسوا في منازلهم ما قتلوا، عليم بما تخفيه صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتي عليهم وآلائي لديهم في أنفسهم وأهليهم ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادي. يقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين: فاشكروني أنتم بطاعتي فيما أمرتكم من جهاد عدوكم في سبيلي، وغير ذلك من أمري ونهيي، إذ كفر هؤلاء نعمي، واعلموا أن الله سميع لقولهم وعليم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية محيط بذلك كله، حتى أجازي كلا بعمله، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. ولا وجه لقول من زعم أن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعد ما أحياهم لأن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } لا يخلو إن كان الأمر على ما تأولوه من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون عطفا على قوله:
Página desconocida