530

حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني جبر بن نعيم، عن ابن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني، أن أبا بصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بالمغمس، فقال:

" إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فضيعوها وتركوها، فمن حافظ عليها منكم أوتي أجرها مرتين "

وقال صلى الله عليه وسلم:

" بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من فاتته العصر حبط عمله "

حدثنا بذلك أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال:

" من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله "

وقال صلى الله عليه وسلم:

" من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لم يلج النار "

فحث صلى الله عليه وسلم على المحافظة عليها حثا لم يحث مثله على غيرها من الصلوات وإن كانت المحافظة على جميعها واجبة، فكان بينا بذلك أن التي حض الله بالحث على المحافظة عليها بعد ما عم الأمر بها جميع المكتوبات هي التي اتبعه فيها نبيه صلى الله عليه وسلم، فخصها من الحض عليها بما لم يخصص به غيرها من الصلوات، وحذر أمته من تضييعها ما حل بمن قبلهم من الأمم التي وصف أمرها، ووعدهم من الأجر على المحافظة عليها ضعفي ما وعد على غيرها من سائر الصلوات، وأحسب أن ذلك كان كذلك، لأن الله تعالى ذكره جعل الليل سكنا والناس من شغلهم بطلب المعاش، والتصرف في أسباب المكاسب هادئون إلا القليل منهم، وللمحافظة على فرائض الله، وإقام الصلوات المكتوبات فازعون، وكذلك ذلك في صلاة الصبح، لأن ذلك وقت قليل من يتصرف فيه للمكاسب والمطالب، ولا مؤنة عليهم في المحافظة عليها. وأما صلاة الظهر فان وقتها وقت قائلة الناس، واستراحتهم من مطالبهم في أوقات شدة الحر، وامتداد ساعات النهار ووقت توديع النفوس، والتفرع لراحة الأبدان في أوان البرد وأيام الشتاء، وأن المعروف من الأوقات لتصرف الناس في مطالبهم ومكاسبهم والاشتغال بسعيهم لما لا بد منه لهم من طلب أقواتهم وقتان من النهار: أحدهما أول النهار بعد طلوع الشمس إلى وقت الهاجرة، وقد خفف الله تعالى ذكره فيه عن عباده عبء تكليفهم في ذلك الوقت، وثقل ما يشغلهم عن سعيهم في مطالبهم ومكاسبهم، وإن كان قد حثهم في كتابه وعلى لسان رسوله في ذلك الوقت على صلاة ووعدهم عليها الجزيل من ثوابه، من غير أن يفرضها عليهم، وهي صلاة الضحى. والآخر منهما آخر النهار، وذلك من بعد إبراد الناس، إمكان التصرف، وطلب المعاش صيفا وشتاء إلى وقت مغيب الشمس وفرض عليهم فيه صلاة العصر، ثم حث على المحافظة عليها لئلا يضيعوها لما علم من إيثار عباده أسباب عاجل دنياهم وطلب معايشهم فيها على أسباب آجل آخرتهم، بما حثهم به عليه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ووعدهم من جزيل ثوابه على المحافظة عليها ما قد ذكرت بعضه في كتابنا هذا.

وسنذكر باقيه في كتابنا الأكبر إن شاء الله من كتاب أحكام الشرائع. وإنما قيل لها الوسطى: لتوسطها الصلوات المكتوبات الخمس، وذلك أن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، وهي بين ذلك وسطاهن، والوسطى: الفعلى من قول القائل: وسطت القوم أسطهم سطة ووسوطا: إذا دخلت وسطهم، ويقال للذكر فيه: هو أوسطنا، وللأنثى هي وسطانا. القول في تأويل قوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } اختلف أهل التأويل في معنى قوله { قانتين } فقال بعضهم: معنى القنوت: الطاعة، ومعنى ذلك: وقوموا لله في صلاتكم، مطيعين له فيما أمركم به فيها ونهاكم عنه. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الشعبي في قوله: { وقوموا لله قانتين } قال: مطيعين. حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن عون، عن الشعبي، مثله. حدثني ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو المنيب، عن جابر بن زيد: { وقوموا لله قانتين } يقول: مطيعين. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء: { وقوموا لله قانتين } قال: مطيعين. حدثنا أحمد بن عبدة الحمصي، قال: ثنا أبو عوانة، عن ابن يشر، عن سعيد بن جبير في قوله: { وقوموا لله قانتين } قال: مطيعين. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير أنه سئل عن القنوت، فقال: القنوت: الطاعة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قال: القنوت الذي ذكره الله في القرآن، إنما يعنى به الطاعة. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: { وقوموا لله قانتين } قال: إن أهل كل دين يقومون لله عاصين، فقوموا أنتم لله طائعين. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { وقوموا لله قانتين } قال: قوموا لله مطيعين في كل شيء، وأطيعوه في صلاتكم. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: { وقوموا لله قانتين } القنوت: الطاعة، يقول: لكل أهل دين صلاة، يقومون في صلاتهم لله عاصين، فقوموا لله مطيعين. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { قانتين } يقول: مطيعين. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { وقوموا لله قانتين } قال: مطيعين.

Página desconocida