Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: { ولكن لا تواعدوهن سرا } أن يقول: لا تفوتيني بنفسك. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تنكحوهن في عدتهن سرا. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولكن لا تواعدوهن سرا } يقول: لا تنكحوهن سرا، ثم يمسكها حتى إذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولكن لا تواعدوهن سرا } قال: كان أبي يقول: لا تواعدوهن سرا، ثم تمسكها، وقد ملكت عقدة نكاحها، فإذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، تأويل من قال: السر في هذا الموضع: الزنا وذلك أن العرب تسمي الجماع وغشيان الرجل المرأة سرا، لأن ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مطلع عليه، فيسمى لخفائه سرا. من ذلك قول رؤبة بن العجاج:
فعف عن أسرارها بعد العسق
ولم يضعها بين فرك وعشق
يعني بذلك: عف عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك. ومنه قول الحطيئة:
ويحرم سر جارتهم عليهم
ويأكل جارهم أنف القصاع
وكذلك يقال لكل ما أخفاه المرء في نفسه سر، ويقال: هو في سر قومه، يعني في خيارهم وشرفهم. فلما كان السر إنما يوجه في كلامها إلى أحد هذه الأوجه الثلاثة، وكان معلوما أن أحدهن غير معني به قوله: { ولكن لا تواعدوهن سرا } وهو السر الذي هو معنى الخيار والشرف، فلم يبق إلا الوجهان الآخران وهو السر الذي بمعنى ما أخفته نفس المواعدين المتواعدين، والسر الذي بمعنى الغشيان والجماع. فلما لم يبق غيرهما، وكانت الدلالة واضحة على أن أحدهما غير معني به صح أن الآخر هو المعني به. فإن قال [قائل]: فما الدلالة على أن مواعدة القول سرا غير معني به على ما قال من قال: إن معنى ذلك: أخذ الرجل ميثاق المرأة أن لا تنكح غيره، أو على ماقال من قال: قول الرجل لها: لا تسبقيني بنفسك؟ قيل: لأن السر إذا كان بالمعنى الذي تأوله قائلو ذلك، فلن يخلو ذلك السر من أن يكون هو مواعدة الرجل المرأة ومسألته إياها أن لا تنكح غيره، أو يكون هو النكاح الذي سألها أن تجيبه إليه بعد انقضاء عدتها وبعد عقده له دون الناس غيره. فإن كان السر الذي نهى الله الرجل أن يواعد المعتدات هو أخذ العهد عليهن أن لا ينكحن غيره، فقد بطل أن يكون السر معناه ما أخفى من الأمور في النفوس، أو نطق به فلم يطلع عليه، وصارت العلانية من الأمر سرا، وذلك خلاف المعقول في لغة من نزل القرآن بلسانه، إلا أن يقول قائل هذه المقالة: إنما نهى الله الرجال عن مواعدتهن ذلك سرا بينهم وبينهن، لا أن نفس الكلام بذلك وإن كان قد أعلن سر.
فيقال له: إن قال ذلك فقد يجب أن تكون جائزة مواعدتهن النكاح والخطبة صريحا علانية، إذ كان المنهي عنه من المواعدة إنما هو ما كان منها سرا. فإن قال إن ذلك كذلك خرج من قول جميع الأمة على أن ذلك ليس من قيل أحد ممن تأول الآية أن السر ها هنا بمعنى المعاهدة أن لا تنكح غير المعاهد. وإن قال: ذلك غير جائز. قيل له: فقد بطل أن يكون معنى ذلك: إسرار الرجل إلى المرأة بالمواعدة، لأن معنى ذلك لو كان كذلك لم يحرم عليه مواعدتها مجاهرة وعلانية، وفي كون ذلك عليه محرما سرا وعلانية ما أبان أن معنى السر في هذا الموضع غير معنى إسرار الرجل إلى المرأة بالمعاهدة، أن لا تنكح غيره إذا انقضت عدتها أو يكون إذا بطل هذا الوجه معنى ذلك: الخطبة والنكاح الذي وعدت المرأة الرجل أن لا تعدوه إلى غيره، فذلك إذا كان، فإنما يكون بولي وشهود علانية غير سر، وكيف يجوز أن يسمى سرا وهو علانية لا يجوز إسراره؟ وفي بطول هذه الأوجه أن تكون تأويلا لقوله: { ولكن لا تواعدوهن سرا } بما عليه دللنا من الأدلة وضوح صحة تأويل ذلك أنه بمعنى الغشيان والجماع. وإذا كان ذلك صحيحا، فتأويل الآية: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما عرضتم به للمعتدات من وفاة أزواجهن من خطبة النساء وذلك حاجتكم إليهن، فلم تسرحوا لهن بالنكاح والحاجة إليهن إذا أكننتم في أنفسكم، فأسررتم حاجتكم إليهن وخطبتكم إياهن في أنفسكم ما دمن في عددهن، علم الله أنكم ستذكرون خطبتهن وهن في عددهن. فأباح لكم التعريض بذلك لهن، وأسقط الحرج عما أضمرته نفوسكم حلما منه، ولكن حرم عليكم أن تواعدوهن جماعا في عددهن، بأن يقول أحدكم لإحداهن في عدتها: قد تزوجتك في نفسي، وإنما أنتظر انقضاء عدتك، فيسألها بذلك القول إمكانه من نفسها الجماع والمباضعة، فحرم الله تعالى ذكره ذلك. القول في تأويل قوله تعالى: { إلا أن تقولوا قولا معروفا }. قال أبو جعفر: ثم قال تعالى ذكره: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } فاستثنى القول المعروف مما نهى عنه، من مواعدة الرجل المرأة السر، وهو من غير جنسه ولكنه من الاستثناء الذي قد ذكرت قبل أنه يأتي بمعنى خلاف الذي قبله في الصفة خاصة، وتكون «إلا» فيه بمعنى «لكن»، فقوله: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } منه، ومعناه: ولكن قولوا قولا معروفا. فأباح الله تعالى ذكره أن يقول لها المعروف من القول في عدتها، وذلك هو ما أذن له بقوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء }.
كما: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال: يقول: إني فيك لراغب، وإني لأرجو أن نجتمع. حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال: هو قوله: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك. حدثني المثنى، قال حدثنا: سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال: يعني التعريض. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال: يعني التعريض. حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } إلى { حتى يبلغ الكتاب أجله } قال: هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها، فيقول: والله إنكم لأكفاء كرام، وإنكم لرعة، وإنك لتعجبيني، وإن يقدر شيء يكن. فهذا القول المعروف. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، وحدثني علي، قال: حدثنا زيد، قالا جميعا: قال سفيان: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال: يقول: إني فيك لراغب، وإني أرجو إن شاء الله أن نجتمع. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال: يقول: إن لك عندي كذا، ولك عندي كذا، وأنا معطيك كذا وكذا. قال: هذا كله وما كان قبل أن يعقد عقدة النكاح، فهذا كله نسخه قوله: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله }. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال: المرأة تطلق، أو يموت عنها زوجها، فيأتيها الرجل فيقول: احبس علي نفسك، فإن لي بك رغبة، فتقول: وأنا مثل ذلك. فتتوق نفسه لها، فذلك القول المعروف. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله }. يعني تعالى ذكره بقوله: { ولا تعزموا عقدة النكاح } ولا تصححوا عقدة النكاح في عدة المرأة المعتدة، فتوجبوها بينكم وبينهن، وتعقدوها قبل انقضاء العدة { حتى يبلغ الكتاب أجله } يعني: يبلغن أجل الكتاب الذي بينه الله تعالى ذكره بقوله:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا
Página desconocida