463

والثلث لا شك أنه بين فقده من مال ذي المال، ولكنه عندي كما قال جل ثناؤه:

والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما

[الفرقان: 67] وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم:

ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا

[الإسراء: 29] وذلك هو ما حده صلى الله عليه وسلم فيما دون ذلك على قدر المال واحتماله. ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة، أم ثابتة الحكم على العباد؟ فقال بعضهم: هي منسوخة نسختها الزكاة المفروضة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال: كان هذا قبل أن تفرض الصدقة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة، ثم قال:

خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

[الأعراف: 199] ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسماة. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } هذه نسختها الزكاة. وقال آخرون: بل مثبتة الحكم غير منسوخة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس، عن مجاهد شك أبو عاصم، قال قال: العفو: الصدقة المفروضة. والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطية من أن قوله: { قل العفو } ليس بإيجاب فرض فرض من الله حقا في ماله، ولكنه إعلام منه ما يرضيه من النفقة مما يسخطه جوابا منه لمن سأل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما فيه له رضا، فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم به في الصدقة غير المفروضات ثابت الحكم غير ناسخ لحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده، فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوع وهباته وعطايا النفل وصدقته ما أدبهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

" إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بولده "

ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها. وذلك هو القوام بين الإسراف والإقتار الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إن شاء الله تعالى. ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ: ما الدلالة على نسخه؟ وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقة وهبة ووصية الثلث، فما الذي دل على أن ذلك منسوخ؟ فإن زعم أنه يعني بقوله: إنه منسوخ أن إخراج العفو من المال غير لازم فرضا، وأن فرض ذلك ساقط بوجود الزكاة في المال قيل له: وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضا، فأسقطه فرض الزكاة؟ ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضا، إذ لم يكن أمر من الله عز ذكره، بل فيها الدلالة على أنها جواب ما سأل عنه القوم على وجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات، ولا سبيل لمدعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادعى.

وأما القراء فإنهم اختلفوا في قراءة العفو، فقرأته عامة قراء الحجاز وقراء الحرمين وعظم قراء الكوفيين: { قل العفو } نصبا، وقرأه بعض قراء البصريين: { قل العفو } رفعا. فمن قرأه نصبا جعل «ماذا» حرفا واحدا، ونصبه بقوله: { ينفقون } على ما قد بينت قبل، ثم نصب العفو على ذلك فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أي شيء ينفقون؟ ومن قرأه رفعا جعل «ما» من صلة «ذا» ورفعوا العفو فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون، قل الذي ينفقون العفو. ولو نصب العفو، ثم جعل «ماذا» حرفين بمعنى: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل ينفقون العفو، ورفع الذين جعلوا «ماذا» حرفا واحدا بمعنى: ما ينفقون؟ قل الذي ينفقون خبرا كان صوابا صحيحا في العربية. وبأي القراءتين قرىء ذلك عندي صواب لتقارب معنييهما مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما. غير أن أعجب القراءتين إلي وإن كان الأمر كذلك قراءة من قرأه بالنصب، لأن من قرأ به من القراء أكثر وهو أعرف وأشهر. القول في تأويل قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة }. يعني بقول عز ذكره: { كذلك يبين الله لكم الآيات } هكذا يبين أي كما بينت لكم أعلامي وحججي، وهي آياته في هذه السورة، وعرفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي، وبينت لكم حدودي وفرائضي، ونبهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتي، ثم على حجج رسولي إليكم، فأرشدتكم إلى ظهور الهدى، فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنزلته على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم آياتي وحججي، وأوضحها لكم لتتفكروا في وعدي ووعيدي وثوابي وعقابي، فتجاوزوا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة، والفوز بنعيم الأبد على القليل من اللذات، واليسير من الشهوات، بركوب معصيتي في الدنيا الفانية التي من ركبها، كان معاده إلي، ومصيره إلى ما لا قبل له به من عقابي وعذابي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها.

Página desconocida