Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تيم الله، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن: إنا قوم نكري فيزعمون أنه ليس لنا حج؟ قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال: فأنت حاج جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم }. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كانوا إذا أفاضوا من عرفات لم يتجروا بتجارة، ولم يعرجوا على كسير، ولا على ضالة فأحل الله ذلك، فقال: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم... } إلى آخر الآية. حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فكانوا يتجرون فيها، فلما كان الإسلام كأنهم تأثموا منها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } في مواسم الحج. القول في تأويل قوله تعالى: { فإذا أفضتم من عرفات }. يعني جل ثناؤه بقوله: { فإذا أفضتم } فإذا رجعتم من حيث بدأتم. ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار مفيض، لجمعه القداح ثم إفاضته إياها بين المياسرين، ومنه قول بشر بن أبي حازم الأسدي:
فقلت لها ردي إليه جنانه
فردت كما رد المنيح مفيض
ثم اختلف أهل العربية في عرفات، والعلة التي من أجلها صرفت وهي معرفة، وهل هي اسم لبقعة واحدة أم هي لجماعة بقاع؟ فقال بعض نحويي البصريين: هي اسم كان لجماعة مثل مسلمات ومؤمنات، سميت به بقعة واحدة فصرف لما سميت به البقعة الواحدة، إذ كان مصروفا قبل أن تسمى به البقعة تركا منهم له على أصله لأن التاء فيه صارت بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون لأنه تذكيره، وصار التنوين بمنزلة النون، فلما سمي به ترك على حاله كما يترك «المسلمون» إذا سمي به على حاله. قال: ومن العرب من لا يصرفه إذا سمي به، ويشبه التاء بهاء التأنيث وذلك قبيح ضعيف. واستشهدوا بقول الشاعر:
تنورتها من أذرعات وأهلها
بيثرب أدنى دارها نظر عالي
ومنهم من لا ينون أذرعات، وكذلك عانات، وهو مكان. وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما انصرفت عرفات لأنهن على جماع مؤنث بالتاء. قال: وكذلك ما كان من جماع مؤنث بالتاء، ثم سميت به رجلا أو مكانا أو أرضا أو امرأة انصرفت.
قال: ولا تكاد العرب تسمي شيئا من الجماع إلا جماعا، ثم تجعله بعد ذلك واحدا. وقال آخرون منهم: ليست عرفات حكاية، ولا هي اسم منقول ولكن الموضع مسمى هو وجوانبه بعرفات، ثم سميت بها البقعة اسم للموضع، ولا ينفرد واحدها. قال: وإنما يجوز هذا في الأماكن والمواضع، ولا يجوز ذلك في غيرها من الأشياء. قال: ولذلك نصبت العرب التاء في ذلك لأنه موضع، ولو كان محكيا لم يكن ذلك فيه جائزا، لأن من سمى رجلا مسلمات أو بمسلمين لم ينقله في الإعراب عما كان عليه في الأصل، فلذلك خالف عانات وأذرعات ما سمي به من الأسماء على جهة الحكاية. واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لعرفات عرفات فقال بعضهم: قيل لها ذلك من أجل أن إبراهيم خليل الله صلوات الله عليه لما رآها عرفها بنعتها الذي كان لها عنده، فقال: قد عرفت، فسميت عرفات بذلك. وهذا القول من قائله يدل على أن عرفات اسم للبقعة، وإنما سميت بذلك لنفسها وما حولها، كما يقال: ثوب أخلاق، وأرض سباسب، فتجمع بما حولها. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: لما أذن إبراهيم في الناس بالحج، فأجابوه بالتلبية، وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها فخرج، فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة. فطار فوقع على الجمرة الثانية، فصده أيضا، فرماه وكبر فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، فانطلق حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز، فلذلك سمي ذا المجاز. ثم انطلق حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها عرف النعت، قال: قد عرفت، فسمي عرفات. فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، فسميت المزدلفة، فوقف بجمع. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن سليمان التيمي، عن نعيم بن أبي هند، قال: لما وقف جبريل بإبراهيم عليهما السلام بعرفات، قال: عرفت، فسميت عرفات لذلك. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بعث الله جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفة قال: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، ولذلك سميت عرفة. وقال آخرون: بل سميت بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع بن مسلم القرشي، عن أبي طهفة، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: إنما سميت عرفات، لأن جبريل عليه السلام، كان يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا، وهذا موضع كذا، فيقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات.
حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة أن جبريل كان يري إبراهيم عليهما السلام المناسك، فيقول: عرفت عرفت، فسمي عرفات. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن زكريا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: أصل الجبل الذي يلي عرنة وما وراءه موقف حتى يأتي الجبل جبل عرفة. وقال ابن أبي نجيح: عرفات: النبعة والنبيعة وذات النابت، وذلك قول الله: { فإذا أفضتم من عرفات } وهو الشعب الأوسط. وقال زكريا: ما سال من الجبل الذي يقف عليه الإمام إلى عرفة، فهو من عرفة، وما دبر ذلك الجبل فليس من عرفة. وهذا القول يدل على أنها سميت بذلك نظير ما يسمى الواحد باسم الجماعة المختلفة الأشخاص. وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي أن يقال: هو اسم لواحد سمي بجماع، فإذا صرف ذهب به مذهب الجماع الذي كان له أصلا، وإذا ترك صرفه ذهب به إلى أنه اسم لبقعة واحدة معروفة، فترك صرفه كما يترك صرف أسماء الأمصار والقرى المعارف. القول في تأويل قوله تعالى: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام }. يعني بذلك جل ثناؤه: { فإذا أفضتم } فكررتم راجعين من عرفة إلى حيث بدأتم الشخوص إليها منه فاذكروا الله يعني بذلك الصلاة، والدعاء { عند المشعر الحرام }. وقد بينا قبل أن المشاعر هي المعالم من قول القائل: شعرت بهذا الأمر: أي علمت، فالمشعر هو المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده. وقد: حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن زكريا، عن ابن أبي نجيح، قال: يستحب للحاج أن يصلي في منزله بالمزدلفة إن استطاع، وذلك أن الله قال: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم }. فأما المشعر فإنه هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسر، وليس مأزما عرفة من المشعر. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: رأى ابن عمر الناس يزدحمون على الجبيل بجمع فقال: أيها الناس إن جمعا كلها مشعر. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر أنه سئل عن قوله: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } قال: هو الجبل وما حوله. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن ابن عباس قال: ما بين الجبلين اللذين بجمع مشعر.
حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، وحدثني أحمد بن حازم قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن سعيد بن جبير، قال: سألته عن المشعر الحرام فقال: ما بين جبلي المزدلفة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: المشعر الحرام: المزدلفة كلها. قال معمر: وقاله قتادة. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، قال: أنبأنا الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } قال: ما بين جبلي المزدلفة هو المشعر الحرام. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا أبي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: سألت عبد الله بن عمر عن المشعر الحرام، فقال: إذا انطلقت معي أعلمتكه. قال: فانطلقت معه، فوقفنا حتى إذا أفاض الإمام سار وسرنا معه، حتى إذا هبطت أيدي الركاب، وكنا في أقصى الجبال مما يلي عرفات قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ أخذت فيه، قلت: ما أخذت فيه؟ قال: كلها مشاعر إلى أقصى الحرم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا إسرائيل، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: سألت عبد الله بن عمر، عن المشعر الحرام. قال: إن تلزمني أركه. قال: فلما أفاض الناس من عرفة وهبطت أيدي الركاب في أدنى الجبال، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ قال: قلت: ها أنا ذاك، قال: أخذت فيه، قلت: ما أخذت فيه؟ قال: حين هبطت أيدي الركاب في أدنى الجبال فهو مشعر إلى مكة. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن عمارة بن زاذان، عن مكحول الأزدي، قال: سألت ابن عمر يوم عرفة عن المشعر الحرام؟ فقال: الزمني فلما كان من الغد وأتينا المزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: المشعر الحرام: المزدلفة كلها. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة، فذلك إلى محسر. قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما. قال: قف بينهما إن شئت، وأحب إلي أن تقف دون قزح، هلم إلينا من أجل طريق الناس. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال علام يزدحم هؤلاء كل ما ههنا مشعر.
Página desconocida