Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المنكرين نبوتك: لست أقول لكم إني الرب الذي له خزائن السموات والأرض وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء، فتكذبوني فيم أقول من ذلك لأنه لا ينبغي أن يكون ربا إلا من له ملك كل شيء وبيده كل شيء ومن لا يخفى عليه خافية، وذلك هو الله الذي لا إله غيره. { ولا أقول لكم إني ملك } لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرا بصورته لأبصار البشر في الدنيا، فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك. { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } يقول: قل لهم: ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه إلا وحي الله الذي يوحيه إلي وتنزيله الذي ينزله علي، فأمضي لوحيه وأئتمر لأمره، وقد أتيتكم بالحجج القاطعة من الله عذركم على صحة قولي في ذلك، وليس الذي أقول من ذلك بمنكر في عقولكم ولا مستحيل كونه بل ذلك مع وجود البرهان على حقيقته هو الحكمة البالغة، فما وجه إنكاركم لذلك؟ وذلك تنبيه من الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على موضع حجته على منكري نبوته من مشركي قومه. { قل هل يستوي الأعمى والبصير } يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهم: هل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به؟ والأعمى هو الكافر الذي قد عمى عن حجج الله فلا يتبينها فيتبعها. والبصير: المؤمن الذي قد أبصر آيات الله وحججه فاقتدى بها واستضاء بضيائها. { أفلا تتفكرون } يقول لهؤلاء الذي كذبوا بآيات الله: أفلا تتفكرون فيما أحتج عليكم به أيها القوم من هذه الحجج، فتعلموا صحة ما أقول وأدعوكم إليه من فساد ما أنتم عليه مقيمون من إشراك الأوثان والأنداد بالله ربكم وتكذيبكم إياي، مع ظهور حجج صدقي لأعينكم، فتدعوا ما أنتم عليه من الكفر مقيمون إلى ما أدعوكم إليه من الإيمان الذي به تفوزون؟ وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } قال: الضال والمهتدى. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: { قل هل يستوي الأعمى والبصير }... الآية قال: الأعمى: الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه والبصير: العبد المؤمن الذي أبصر بصرا نافعا، فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله.
[6.51]
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وأنذر } يا محمد بالقرآن الذي أنزلناه إليك القوم { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } علما منهم بأن ذلك كائن فهم مصدقون بوعد الله ووعيده، عاملون بما يرضي الله، دائمون في السعي فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله. { ليس لهم من دونه ولي } أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم ولي ينصرهم فيستنقذهم منه. { ولا شفيع } يشفع لهم عند الله تعالى فيخلصهم من عقابه. { لعلهم يتقون } يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم، فيطيعوا ربهم ويعملوا لمعادهم، ويحذروا سخطه باجتناب معاصيه. وقيل: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا } ومعناه: يعلمون أنهم يحشرون، فوضعت «المخافة» موضع «العلم» لأن خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك. وهذا أمر من الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه ما أنزل الله إليه من وحيه وتذكيرهم والإقبال عليهم بالإنذار وصده عن المشركين به بعد الإعذار إليهم وبعد إقامة الحجة عليهم، حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم.
[6.52]
ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو زيد، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن ابن مسعود، قال: مر الملأ من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك، هؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا، أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وكذلك فتنا بعضهم ببعض... } إلى آخر الآية. حدثنا جرير، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن عبد الله، قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه. حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن كردوس، عن ابن عباس، قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملأ من قريش، ثم ذكر نحوه. حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي وكان قارىء الأزد عن أبي الكنود، عن خباب، في قول الله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه }... إلى قوله: { فتكون من الظالمين } قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب، في أناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال: «نعم» قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا قال: فدعا بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب، قال: ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يردون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } ، ثم قال:
وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين
ثم قال:
وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة
فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول:
سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة
Página desconocida