Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة
[6.39]
يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته، صم عن سماع الحق بكم عن القيل به { في الظلمات } يعني: في ظلمة الكفر حائر فيها، يقول: هو مرتطم في ظلمات الكفر، لا يبصر آيات الله فيعتبر بها، ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبره وأحكم تدبيره وقدره أحسن تقدير وأعطاه القوة وصحح له آلة جسمه، لم يخلقه عبثا ولم يتركه سدى، ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه دون معصيته وما يسخطه، فهو لحيرته في ظلمات الكفر وتردده في غمراتها، غافل عما الله قد أثبت له في أم الكتاب وما هو به فاعل يوم يحشر إليه مع سائر الأمم. ثم أخبر تعالى أنه المضل من يشاء إضلاله من خلقه عن الإيمان إلى الكفر والهادي إلى الصراط المستقيم منهم من أحب هدايته فموفقه بفضله وطوله للإيمان به وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أم الكتاب السعادة، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء، وأن بيده الخير كله، وإليه الفضل كله، له الخلق والأمر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { صم وبكم } هذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدى ولا ينتفع به، صم عن الحق في الظلمات لا يستطيع منها خروجا له متسكع فيها.
[6.40]
اختلف أهل العربية في معنى قوله: { أرأيتكم } فقال بعض نحويي البصرة: الكاف التي بعد التاء من قوله: { أرأيتكم } إنما جاءت للمخاطبة، وتركت التاء مفتوحة كما كانت للواحد، قال: وهي مثل كاف رويدك زيدا، إذا قلت: أرود زيدا، هذه الكاف ليس لها موضع مسمى بحرف لا رفع نصب، وإنما هي في المخاطبة مثل كاف ذاك، ومثل ذلك قول العرب: أبصرك زيدا، يدخلون الكاف للمخاطبة. وقال آخرون منهم: معنى: { أرأيتكم إن أتاكم } أرأيتم، قال: وهذه الكاف تدخل للمخاطبة مع التوكيد، والتاء وحدها هي الإسم، كما أدخلت الكاف التي تفرق بين الواحد والاثنين والجميع في المخاطبة كقولهم: هذا، وذاك، وتلك، وأولئك، فتدخل الكاف للمخاطبة وليست باسم، والتاء هو الإسم للواحد والجميع، تركت على حال واحدة، ومثل ذلك قولهم: ليسك ثم إلا زيد، يراد: ليس ولا سيك زيد، فيراد: ولا سيما زيد، وبلاك، فيراد بلى، في معنى: ولبئسك رجلا ولنعمك رجلا وقالوا: انظرك زيدا ما أصنع به، وأبصرك ما أصنع به، بمعنى أبصره. وحكى بعضهم: أبصركم ما أصنع به، يراد: أبصروا، وانظركم زيدا: أي انظروا. وحكي عن بعض بني كلاب: أتعلمك كان أحد أشعر من ذي الرمة؟ فأدخل الكاف. وقال بعض نحويي الكوفة: أرأيتك عمرا أكثر الكلام، فيه ترك الهمز. قال: والكاف من أرأيتك في موضع نصب، كأن الأصل: أرأيت نفسك على غير هذه الحال؟ قال: فهذا يثنى ويجمع ويؤنث، فيقال: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتنكن أوقع فعله على نفسه، وسأله عنها، ثم كثر به الكلام حتى تركوا التاء موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع، فقالوا: أرأيتكم زيدا ما صنع، وأرأيتكن زيدا ما صنع، فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها فجعلوها بدلا من التاء، كما قال: هاؤم اقرءوا كتابيه وهاء يا رجل، وهاؤما، ثم قالوا: هاكم، اكتفى بالكاف والميم مما كان يثنى ويجمع، فكأن الكاف في موضع رفع إذ كانت بدلا من التاء، وربما وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وهي كقول القائل: عليك زيدا، الكاف في موضع خفض، والتأويل رفع. فأما ما يجلب فأكثر ما يقع على الأسماء، ثم تأتي بالاستفهام، فيقال: أرأيتك زيدا هل قام، لأنها صارت بمعنى: أخبرني عن زيد، ثم بين عما يستخبر، فهذا أكثر الكلام، ولم يأت الاستفهام ثنيها، لم يقل: أرأيتك هل قمت، لأنهم أرادوا أن يبينوا عمن يسأل، ثم تبين الحالة التي يسأل عنها، وربما جاء بالخبر ولم يأت بالإسم، فقالوا: أرأيت زيدا هل يأتينا، وأرأيتك أيضا، وأرأيت زيدا إن أتيته هل يأتينا إذا كانت بمعنى أخبرني، فيقال باللغات الثلاث. وتأويل الكلام: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام، أخبروني إن جاءكم أيها القوم عذاب الله، كالذي جاء من قبلكم من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالصاعقة، أو جاءتكم الساعة التي تنشرون فيها من قبوركم وتبعثون لموقف القيامة، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم من البلاء أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نزل بكم من عظيم البلاء { إن كنتم صادقين } يقول: إن كنتم محقين في دعواكم وزعمكم أن آلهتكم تدعونها من دون الله تنفع أو تضر.
[6.41]
يقول تعالى ذكره مكذبا لهؤلاء العادلين به الأوثان: ما أنتم أيها المشركون بالله الآلهة والأنداد إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهول النازل بكم من آلهة ووثن وصنم، بل تدعون هناك ربكم الذي خلقكم وبه تستغيثون وإليه تفزعون دون كل شيء غيره. { فيكشف ما تدعون إليه } يقول: فيفرج عنكم عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم، لأنه القادر على كل شيء ومالك كل شيء دون ما تدعونه إلها من الأوثان والأصنام. { وتنسون ما تشركون } يقول: وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه، فتجعلونه له ندا من وثن وصنم، وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلها.
[6.42]
يقول تعالى ذكره متوعدا لهؤلاء العادلين به الأصنام، ومحذرهم أن يسلك بهم إن هم تمادوا في ضلالهم سبيل من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا، ومخبرا نبيه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل: { ولقد أرسلنا } يا محمد { إلى أمم } يعني: إلى جماعات وقرون، { من قبلك فأخذناهم بالبأساء } يقول: فأمرناهم ونهيناهم، فكذبوا رسلنا وخالفوا أمرنا ونهينا، فامتحناهم بالابتلاء بالبأساء، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة { والضراء } وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام. وقد بينا ذلك بشواهده ووجوه إعرابه في سورة البقرة بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: { لعلهم يتضرعون } يقول: فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إلي، ويخلصوا لي العبادة، ويفردوا رغبتهم إلي دون غيري بالتذلل منهم لي بالطاعة والاستكانة منهم إلي بالإنابة. وفي الكلام محذوف قد استغني بما دل عليه الظاهر عن إظهاره من قوله: { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم }. وإنما كان سبب أخذه إياهم تكذيبهم الرسل وخلافهم أمره، لا إرسال الرسل إليهم. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى الكلام: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فكذبوهم، فأخذناهم بالبأساء. والتضرع: هو التفعل من الضراعة، وهي الذلة والاستكانة.
[6.43]
Página desconocida