1140

وقال آخرون: بل ذلك هو العمد من المحرم لقتل الصيد ذاكرا لحرمه. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: يحكم عليه في العمد والخطإ والنسيان. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا ابن جريج، وحدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: قال طاوس: والله ما قال الله إلا: { ومن قتله منكم متعمدا }. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرني بعض أصحابنا عن الزهري أنه قال: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطإ. يعني في المحرم يصيب الصيد. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } قال: إن قتله متعمدا أو ناسيا حكم عليه، وإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة، إلا أن يعفو الله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: إنما جعلت الكفارة في العمد، ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، نحوه. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: كان طاوس يقول: والله ما قال الله إلا: { ومن قتله منكم متعمدا }. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال: إن الله تعالى حرم قتل صيد البر على كل محرم في حال إحرامه ما دام حراما، بقوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد } ثم بين حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدا لقتله، ولم يخصص به المتعمد قتله في حال نسيانه إحرامه، ولا المخطىء في قتله في حال ذكره إحرامه، بل عم في التنزيل بإيجاب الجزاء كل قاتل صيد في حال إحرامه متعمدا. وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نص كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه. فإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان قاتل الصيد من المحرمين عامدا قتله ذاكرا لإحرامه، أو عامدا قتله ناسيا لإحرامه، أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه، في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى وهو: { مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل } من المسلمين { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما، دون القول الذي قاله مجاهد.

وأما ما يلزم بالخطأ قاتله، فقد بينا القول فيه في كتابنا «كتاب لطيف القول في أحكام الشرائع» بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع. وليس هذا الموضع موضع ذكره، لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل، وليس في التنزيل للخطإ ذكر فنذكر أحكامه. وأما قوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } فإنه يقول: وعليه كفارة وبدل، يعني بذلك: جزاء الصيد المقتول يقول تعالى ذكره: فعلى قاتل الصيد جزاء الصيد المقتول مثل ما قتل من النعم. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: { فجزاؤه مثل ما قتل من النعم }. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض البصريين: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " بإضافة الجزاء إلى المثل وخفض المثل. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: { فجزاء مثل ما قتل } بتنوين «الجزاء» ورفع «المثل» بتأويل: فعليه جزاء مثل ما قتل. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: { فجزاء مثل ما قتل } بتنوين «الجزاء» ورفع «المثل»، لأن الجزاء هو المثل، فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه. وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بالإضافة، رأوا أن الواجب على قاتل الصيد أن يجزى مثله من الصيد بمثل من النعم وليس كذلك كالذي ذهبوا إليه، بل الواجب على قاتله أن يجزى المقتول نظيره من النعم. وإذ كان ذلك كذلك، فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى على قاتل الصيد، ولن يضاف الشيء إلى نفسه، ولذلك لم يقرأ ذلك قارىء علمناه بالتنوين ونصب المثل. ولو كان المثل غير الجزاء لجاز في المثل النصب إذا نون الجزاء، كما نصب اليتيم إذ كان غير الإطعام في قوله:

أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة

وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفات في قوله: { ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا } إذ كان الكفات غير الأحياء والأموات. وكذلك الجزاء، لو كان غير المثل لاتسعت القراءة في المثل بالنصب إذا نون الجزاء، ولكن ذلك ضاق فلم يقرأه أحد بتنوين الجزاء ونصب المثل، إذ كان المثل هو الجزاء، وكان معنى الكلام: ومن قتله منكم متعمدا، فعليه جزاء هو مثل ما قتل من النعم. ثم اختلف أهل العلم في صفة الجزاء، وكيف يجزى قاتل الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم. فقال بعضهم: ينظر إلى أشبه الأشياء به شبها من النعم، فيجزيه به ويهديه إلى الكعبة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء ما قتل من النعم } قال: أما جزاء مثل ما قتل من النعم، فإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة، وإن قتل بقرة أو أيلا أو أروى فعليه بقرة، أو قتل غزالا أو أرنبا فعليه شاة.

وإن قتل ضبا أو حرباء أو يربوعا، فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن أبي مجاهد، قال: سئل عطاء: أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره؟ قال: أليس يقول الله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم }؟ حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال: عليه من النعم مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في قوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال: إذا أصاب المحرم الصيد وجب عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، فإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم ثم قوم الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما. قال: وإنما أريد بالطعام الصوم، فإذا وجد طعاما وجد جزاء. حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد نظركم ثمنه قال ابن حميد: نظركم قيمته فقوم عليه ثمنه طعاما، فصام مكان كل نصف صاع يوما، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما. قال: إنما أريد بالطعام: الصيام، فإذا وجد الطعام وجد جزاءه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فإن لم يجد هديا، قوم الهدى عليه طعاما وصام عن كل صاع يومين. حدثنا هناد. قال: عبد بن حميد، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } قال: إذا أصاب الرجل الصيد حكم عليه، فإن لم يكن عنده قوم عليه ثمنه طعام ثم صام لكل نصف صاع يوما. حدثنا أبو كريب ويعقوب، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: ابتدرت وصاحب لي ظبيا في العقبة، فأصبته. فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له، فأقبل علي رجل إلى جنبه، فنظرا في ذلك، فقال: اذبح كبشا. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن الشعبي، قال: أخبرني قبيصة بن جابر نحوا مما حدث به عبد الملك.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال : قتل صاحب لي ظبيا وهو محرم، فأمره عمر أن يذبح شاة، فيتصدق بلحمها ويسقي إهابها. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: قتل رجل من الأعراب وهو محرم ظبيا، فسأل عمر، فقال له عمر: أهد شاة. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، وحدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا حصين، عن الشعبي، قال: قال قبيصة بن جابر: أصبت ظبيا وأنا محرم، فأتيت عمر فسألته عن ذلك، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف، فقلت: يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من ذلك قال: فضربني بالدرة حتى سابقته عدوا. قال: ثم قال: قتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمص الفتيا؟ قال: فجاء عبد الرحمن، فحكما شاة. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلا أو نحوه فعليه بقرة وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أرأيت إن قتلت صيدا فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص أغرم مثله؟ قال: نعم، إن شئت. قلت: أوفي أحب إليك؟ قال: نعم. وقال عطاء: وإن قتلت ولد الظبي ففيه ولد شاة، وإن قتلت ولد بقرة وحشية ففيه ولد بقرة إنسية مثله، فكل ذلك على ذلك. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: { فجزاء مثل ما قتل من النعم }: ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة فعليه مثله من الإبل، وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو أيل فجزاؤه من البقر، وما كان من ظبي فمن الغنم مثله، وما كان من أرنب ففيها ثنية، وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير، وما كان من جرادة أو نحوها ففيه قبضة من طعام، وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه، وإن شاء صام لكل نصف صاع يوما.

وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها فالقيمة فيها طعام أو صوم على الذي يكون في الطير. غير أنه قد ذكر في بيض النعام إذا إصابها المحرم أن يحمل الفحل على عدة من أصاب من البيض على بكارة الإبل، فما لقح منها أهداه إلى البيت، وما فسد منها فلا شيء فيه. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع، قال: أخبرني ابن جريج، قال: قال مجاهد: من قتله يعني الصيد ناسيا، أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفر، فعليه مثله هديا بالغ الكعبة، فإن لم يجد ابتاع بثمنه طعاما، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما. وقال عطاء: فإن أصاب إنسان نعامة، كان له إن كان ذا يسار ما شاء، إن شاء يهدي جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما، أيهن شاء من أجل قوله: { فجزاء } أو كذا قال: فكل شيء في القرآن أو أو، فليختر منه صاحبه ما شاء. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، قال: من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون شاة فصاعدا، فذلك الذي قال الله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم }. وأما كفارة طعام مساكين فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي، العصفور يقتل فلا يكون فيه. قال: أو عدل ذلك صياما، عدل النعامة، أو عدل العصفور، أو عدل ذلك كله. وقال آخرون: بل يقوم الصيد المقتول قيمته من الدراهم، ثم يشتري القاتل بقيمته ندا من النعم، ثم يهديه إلى الكعبة. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبدة، عن إبراهيم، قال: ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، قال: سمعت إبراهيم يقول: في كل شيء من الصيد ثمنه. وأولى القولين في تأويل الآية، ما قال عمر وابن عباس ومن قال بقولهما: إن المقتول من الصيد يجزى بمثله من النعم، كما قال الله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم وقد قال الله تعالى: { من النعم } لأن الدراهم ليست من النعم في شيء. فإن قال قائل: فإن الدراهم وإن لم تكن مثلا للمقتول من الصيد، فإنه يشتري بها المثل من النعم، فيهديه القاتل، فيكون بفعله ذلك كذلك جازيا بما قتل من الصيد مثلا من النعم؟ قيل له: أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرا أو كبيرا أو سليما، أو كان المقتول من الصيد كبيرا أو سليما بقيمته من النعم إلا صغيرا أو معيبا، أيجوز له أن يشتري بقيمته خلافه وخلاف صفته فيهديه، أم لا يجوز ذلك له، وهو لا يجد إلا خلافه؟ فإن زعم أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته إلا مثله، ترك قوله في ذلك لأن أهل هذه المقالة يزعمون أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته ذلك فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا، وإذا أجازوا شرى مثل المقتول من الصيد بقيمته وإهداءها وقد يكون المقتول صغيرا معيبا، أجازوا في الهدي ما لا يجوز في الأضاحي، وإن زعم أنه لا يجوز أن يشتري بقيمته فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا أوضح بذلك من قوله الخلاف لظاهر التنزيل وذلك أن الله تعالى أوجب على قاتل الصيد من المحرمين عمدا المثل من النعم إذا وجدوه وقد زعم قائل هذه المقالة أنه لا يجب عليه المثل من النعم وهو إلى ذلك واجد سبيلا.

ويقال لقائل : ذلك: أرأيت إن قال قائل آخر: ما على قاتل ما لا يبلغ من الصيد قيمته ما يصاب به من النعم ما يجوز في الأضاحي من إطعام ولا صيام، لأن الله تعالى إنما خير قاتل الصيد من المحرمين في أحد الثلاثة الأشياء التي سماها في كتابه، فإذا لم يكن له إلى واحد من ذلك سبيل سقط عنه فرض الآخرين، لأن الخيار إنما كان له وله إلى الثلاثة سبيل فإذا لم يكون له إلى بعض ذلك سبيل بطل فرض الجزاء عنه، لأنه ليس ممن عني بالآية نظير الذي قلت أنت إنه إذا لم يكن المقتول من الصيد يبلغ قيمته ما يصاب من النعم مما يجوز في الضحايا، فقد سقط فرض الجزاء بالمثل من النعم عنه، وإنما عليه الجزاء بالإطعام أو الصيام هل بينك وبينه فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله. القول في تأويل قوله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة }. يقول تعالى ذكره: يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم، يعني: فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل. { هديا } يقول: يقضي بالجزاء ذوا عدل أن يهدي فيبلغ الكعبة. والهاء في قوله «يحكم به» عائدة على الجزاء، ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه، فإن ذكر أنه أصاب ظبيا صغيرا حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم، فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرا حكما عليه من الضأن بكبير، وإن كان الذي أصاب حمار وحش حكما عليه ببقرة إن كان الذي أصاب كبيرا من البقر، وإن كان صغيرا فصغيرا، وإن كان المقتول ذكرا فمثله من ذكور البقر، وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى، ثم كذلك ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيد شبها من النعم فيحكمان عليه به كما قال تعالى.

وبمثل الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف في ذلك بينهم. ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: كان رجلان من الأعراب محرمين، فأجاش أحدهما ظبيا فقتله الآخر، فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: وما ترى؟ قال: شاة. قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فأهديا شاة فلما مضيا، قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه. فسمعها عمر، فردهما فقال: هل تقرآن سورة المائدة؟ فقالا: لا. فقرأها عليهما: { يحكم به ذوا عدل منكم }. ثم قال: استعنت بصاحبي هذا. حدثنا أبو كريب ويعقوب، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيا في العقبة، فأصبته. فأتيت عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له، فأقبل على رجل إلى جنبه، فنظرا في ذلك. قال: فقال: اذبح كبشا قال يعقوب في حديثه: فقال لي اذبح شاة. فانصرفت فأتيت صاحبي، فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول فقال صاحبي: انحر ناقتك فسمعها عمر بن الخطاب، فأقبل علي ضربا بالدرة، وقال: تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا إن الله تعالى يقول في كتابه: { يحكم به ذوا عدل منكم } هذا ابن عوف وأنا عمر. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن الشعبي، قال: أخبرني قبيصة بن جابر، بنحو ما حدث به عبد الملك. حدثنا هناد وأبو هشام، قالا: ثنا وكيع، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجا فكنا إذا صلينا الغداة، اقتدرنا رواحلنا نتماشى نتحدث. قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح، فرماه رجل منا بحجر، فما أخطأ خششاءه، فركب وودعه ميتا. قال: فعظمنا عليه فلما قدمنا مكة، خرجت معه حتى أتينا عمر، فقص عليه القصة، قال: وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة يعني عبد الرحمن بن عوف فالتفت إلى صاحبه فكلمه قال: ثم أقبل علي الرجل، قال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه، وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها، وتصدق بلحمها، وأسق إهابها قال: فقمنا من عنده، فقلت: أيها الرجل عظم شعائر الله فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها ففعل ذاك.

قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: { يحكم به ذوا عدل منكم }. قال: فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة، قال: فعلا صاحبي ضربا بالدرة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفهت الحكم قال: ثم أقبل علي فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني. قال: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن فسيح الصدر بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيء، فيفسد الخلق السيء الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق، قال: أوطأ أربد ضبا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: يحكم به ذوا عدل منكم. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدا، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك وعنده عبد الله بن صفوان، فقال ابن عمر لابن صفوان: إما أن أقول فتصدقني، وإما أن تقول فأصدقك فقال ابن صفوان: بل أنت فقل فقال ابن عمر، ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أنه قال: لو وجدت حكما عدلا لحكمت في الثعلب جديا، وجدي أحب إلي من الثعلب. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن بكير، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي مجلز: أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدا وهو محرم، وعنده ابن صفوان، فقال له ابن عمر: إما أن تقول فأصدقك، أو أقول فتصدقني قال: قل وأصدقك. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، قال: أخبرني ابن جرير البجلي، قال: أصبت ظبيا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك فأتيت عبد الرحمن وسعيدا، فحكما علي تيسا أعفر. قال أبو جعفر: الأعفر: الأبيض. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بإسناده عن عمر، مثله. حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، قال: كان رجل على ناقة وهو محرم، فأبصر ظبيا يأوي إلى أكمة، فقال: لأنظر أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي؟ فوقعت عنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها. فأتى عمر، فذكر ذلك له، فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء. قال: وهي البيضاء. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد: أن رجلا أوطأ ظبيا وهو محرم.

Página desconocida