1113

فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون

وأما قوله: { وأكلهم السحت } فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به. وقد بينا معنى الربانيين والأحبار ومعنى السحت بشواهد ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. { لبئس ما كانوا يصنعون } وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار في تركهم نهى الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت عما كانوا يفعلون من ذلك. وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم } قال: ما في القرآن آية أخوف عندي منها أنا لا ننهى. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابو عطية، قال: ثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون } قال: كذا قرأ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون }. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { لولا يناهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } يعني الربانيين أنهم لبئس ما كانوا يصنعون

[5.64]

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جراءة اليهود على ربهم ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخا لهم بذلك وتعريفا منه نبيه صلى الله عليه وسلم قديم جهلهم واغترارهم به وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم واحتجاجا لنبيه محمدصلى الله عليه وسلم بأنه له نبي مبعوث ورسول مرسل أن كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفي علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرؤا كتابا ولا وعوا من علوم أهل الكتاب علما فأطلع الله على ذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وسلم ليقرر عندهم صدقه ويقطع بذلك حجتهم. يقول تعالى ذكره: { وقالت اليهود } من بين إسرائيل { يد الله مغلولة } يعنون: أن خير الله ممسك، وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط }. وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك، والمعنى: العطاء، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم أو ببخل وشح وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في مدح رجل:

يداك يدا مجد فكف مفيدة

وكف إذا ماضن بالزاد تنفق

فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه، ويتحاورونه بينهم في كلامهم، فقال: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } يعني بذلك أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا ويمنعنا فضله فلا يفضل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف. تعالى الله عما قال أعداء الله فقال الله مكذبهم ومخبرهم بسخطه عليهم: { غلت أيديهم } يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقبضت عن الانبساط بالعطيات، ولعنوا بما قالوا، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب، والإفك. { بل يداه مبسوطتان } يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غير مغلولتين ولا مقبوضتين. { ينفق كيف يشاء } يقول: يعطى هذا ويمنع هذا فيقتر عليه. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا }.

قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { يد الله مغلولة } قال: لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل حتى جعل الله يده إلى نحره. وكذبوا حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { يد الله مغلولة } قال: اليهود تقول: لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب حتى إن يده إلى نحره. بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا }... إلى: { والله لا يحب المفسدين }. أما قوله { يد الله مغلولة } قالوا: الله بخيل غير جواد، قال الله: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } قالوا: إن الله وضع يده على صدره فلا يبسطها حتى يرد علينا ملكنا. وأما قوله: { ينفق كيف يشاء } يقول: يرزق كيف يشاء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة: { وقالت اليهود يد الله مغلولة }... الآية، نزلت في فنحاص اليهودي. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: { يد الله مغلولة } يقولون: إنه بخيل ليس بجواد قال الله: { غلت أيديهم }: أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } وقال: لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك يقول: لا تمسك يدك عن النفقة. واختلف أهل الجدل في تأويل قوله: { بل يداه مبسوطتان } فقال بعضهم: عني بذلك نعمتاه، وقال: ذلك بمعنى: يد الله على خلقه، وذلك نعمه عليهم وقال: إن العرب تقول: لك عندي يد، يعنون بذلك: نعمة. وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة، وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره:

واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدي

وقال آخرون منهم: بل يده ملكه وقال: معنى قوله: { وقالت اليهود يد الله مغلولة }: ملكه وخزائنه. قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك: هو ملك يمينه، وفلان بيده عقدة نكاح فلانة: أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره:

Página desconocida