1102

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلف اليهودي والنصراني بالله ثم قرأ: وأن احكم بينهم بما أنزل الله وأنزل الله: أن لا يشركوا به شيئا. القول في تأويل قوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا }. يقول تعالى ذكره: لكل قوم منكم جعلنا شرعة. والشرعة: هي الشريعة بعينها، تجمع الشرعة شراعا، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابا، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد، فيردها عند الجمع إلى لفظ نظيرها. وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة، ومن ذلك قيل لشريعة الماء: شريعة، لأنه يشرع منها إلى الماء، ومنه سميت شرائع الإسلام شرائع، لشروع أهله فيه، ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء: هم شرع سواء. وأما المنهاج، فإن أصله: الطريق البين الواضح، يقال منه: هو طريق نهج ومنهج بين، كما قال الراجز:

من يك في شك فهذا فلج

ماء رواء وطريق نهج

ثم يستعمل في كل شيء كان بينا واضحا سهلا. فمعنى الكلام لكل قوم منكم جعلنا طريقا إلى الحق يؤمه، وسبيلا واضحا يعمل به. ثم اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: { لكل جعلنا منكم } فقال بعضهم: عني بذلك أهل الملل المختلفة، أي أن الله جعل لكل ملة شريعة ومنهاجا. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يقول سبيلا وسنة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } قال: الدين واحد، والشريعة مختلفة. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، قال: الإيمان منذ بعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكل قوم ما جاءهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون المقر تاركا ولكنه مطيع. وقال آخرون: بل عني بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إنما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيها الناس لكلكم: أي لكل من دخل في الإسلام وأقر بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبي، شرعة ومنهاجا. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } قال: سنة { ومنهاجا } السبيل لكلكم، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجا، يقول: القرآن هو له شرعة ومنهاج.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم أيها الأمم جعلنا شرعة ومنهاجا. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لقوله: { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } ولو كان عني بقوله: { لكل جعلنا منكم } أمة محمد وهم أمة واحدة، لم يكن لقوله: { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنى مفهوم، ولكن معنى ذلك على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها. ثم ذكر أنه قفى بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إليه الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شرائع الأنبياء والأمم قبله الذين قص عليه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم في توحيد الله والإقرار بما جاءهم به من عنده والانتهاء إلى أمره ونهيه واحدا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم، ولأمته فيما أحل لهم وحرم عليهم. وبنحو الذي قلنا في الشرعة والمنهاج من التأويل قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } قال: سنة وسبيلا. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } قال: سنة وسبيلا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو يحيى الرازي، عن أبي شيبان، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، قال: سألت ابن عباس عن قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } قال: سنة وسبيلا. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: { شرعة ومنهاجا } قال: سنة وسبيلا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، بمثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يعني: سبيلا وسنة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، قال: سمعت الحسن يقول: الشرعة: السنة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، قال: سنة وسبيلا. حدثني محمد عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: { شرعة ومنهاجا } قال: الشرعة: السنة، ومنهاجا، قال: السبيل. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يقول: سبيلا وسنة. حدثني المثنى، قال: ثنا الحوضي، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: سمعت رجلا من بني تميم، عن ابن عباس بنحوه. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { شرعة ومنهاجا } يقول: سبيلا وسنة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: السنة والسبيل. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يقول: سبيلا وسنة. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرني عبيد بن سلمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله { شرعة ومنهاجا } قال: سبيلا وسنة. القول في تأويل قوله تعالى: { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم }. يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربكم لجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل لكل أمة شريعة ومنهاجا غير شرائع الأمم الأخر ومنهاجهم، فكنتم تكونون أمة واحدة، لا تختلف شرائعكم ومنهاجكم. ولكنه تعالى ذكره يعلم ذلك، فخالف بين شرائعكم ليختبركم فيعرف المطيع منكم من العاصي والعامل بما أمره في الكتاب الذي أنزله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم من المخالف. والابتلاء: هو الاختبار ، وقد ثبت ذلك بشواهده فيما مضى قبل. وقوله { فيما آتاكم } يعني: فيما أنزل عليكم من الكتب. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { ولكن ليبلوكم فيما آتاكم } قال عبد الله بن كثير: لا أعلمه إلا قال: ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب. فإن قال قائل: وكيف قال: ليبلوكم فيما آتاكم، ومن المخاطب بذلك، وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا لكل نبي مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم الذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، والمخاطب النبي وحده؟ قيل: إن الخطاب وإن كان لنبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه قد أريد به الخبر عن الأنبياء قبله وأممهم، ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنسانا وضمت إليه غائبا فأرادت الخبر عنه أن تغلب المخاطب فيخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا }.

القول في تأويل قوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون }. يقول تعالى ذكره: فبادروا أيها الناس إلى الصالحات من الأعمال والقرب إلى ربكم بإدمان العمل بما في كتابكم الذي أنزله إلى نبيكم، فإنه إنما أنزله امتحانا لكم وابتلاء، ليتبين المحسن منكم من المسيء، فيجازي جميعكم على عمله جزاءه عند مصيركم إليه، فإن مصيركم إليه جميعا، فيخبر كل فريق منكم بما كان يخالف فيه الفرق الأخرى، فيفصل بينهم بفصل القضاء، ويبين المحق بمجازاته إياه بجناته من المسيء بعقابه إياه بالنار، فيتبين حينئذ كل حزب عيانا، المحق منهم من المبطل. فإن قال قائل: أو لم ينبئنا ربنا في الدنيا قبل مرجعنا إليه ما نحن فيه مختلفون؟ فقيل: إنه بين ذلك في الدنيا بالرسل والأدلة والحجج، دون الثواب والعقاب عيانا، فمصدق بذلك ومكذب. وأما عند المرجع إليه، فإنه ينبئهم بذلك بالمجازاة التي لا يشكون معها في معرفة المحق والمبطل، ولا يقدرون على إدخال اللبس معها على أنفسهم، فكذلك خبره تعالى ذكره أنه يبنئنا عند المرجع إليه بما كنا فيه نختلف في الدنيا. وإنما معنى ذلك: إلى الله مرجعكم جميعا، فتعرفون المحق حينئذ من المبطل منكم. كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن أبي سنان، قال: سمعت الضحاك يقول: { فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا } قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم البر والفاجر.

[5.49]

يعني تعالى ذكره بقوله: وأن احكم بينهم بما أنزل الله وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب، مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأن احكم بينهم ف«أن» في موضع نصب بالتنزيل. ويعني بقوله: { بما أنزل الله }: بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. وأما قوله: { ولا تتبع أهواءهم } فإنه نهي من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه في قتيلهم وفاجريهم، وأمر منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنزله إليه. وقوله: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاأك محتكمين إليك أن يفتنوك، فيصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتباع أهوائهم. وقوله: { فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } يقول تعالى ذكر: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به عليهم، وقضيت فيهم، فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، يقول: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضا بحكمك وقد قضيت بالحق إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم. { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } يقول: وإن كثيرا من اليهود لفاسقون، يقول: لتاركوا العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الرواية عن أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال : قال كعب بن أسد وابن صوريا ياوشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }... إلى قوله:

لقوم يوقنون

Página desconocida