Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
{ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال: النصارى. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، قال في هؤلاء الآيات التي في المائدة: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: فينا أهل الإسلام. { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال: في اليهود. { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال: في النصارى. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي في قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: نزلت الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن زكريا، عن الشعبي، بنحوه. حدثنا هناد ، قال: ثنا يعلى، عن زكريا، عن عامر، بنحوه. وقال آخرون: بل عنى بذلك: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون } { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عطاء، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباح بنحوه. حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنحوه. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سعيد المكي، عن طاووس: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن معمر بن راشد، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: هي به كفر، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله. حدثني الحسن، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات: { ومن لم يحكم بما أنزل الله } فمن فعل هذا فقد كفر؟ قال ابن عباس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال هي به كفر قال ابن طاووس، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، فأولئك هم الكافرون قال كفر لا ينقل عن الملة قال وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب، وهي مراد بها جميع الناس مسلموهم وكفارهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمة بها. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: نزلت في بني إسرائيل، ورضي لكم بها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في هذه الآية: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: نزلت في بني إسرائيل، ثم رضي بها لهؤلاء. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: نزلت في اليهود، وهي علينا واجبة. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليم، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت. قال: فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا هذه الآية: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ومن لم يحكم بما أنزل الله } يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين. وقال آخرون: معنى ذلك: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، فأما الظلم والفسق فهو للمقر به ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون. وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي.
[5.45]
يقول تعالى ذكره: وكتبنا على هؤلاء اليهود الذين يحكمونك يا محمد، وعندهم التوراة فيها حكم الله. ويعني بقوله: { وكتبنا }: فرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النفس إذا قتلت نفسا بغير حق بالنفس، يعني: أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة. { والعين بالعين } يقول: وفرضنا عليهم فيها أن يفقئوا العين التي فقأ صاحبها مثلها من نفس أخرى بالعين المفقوءة، ويجدع الأنف بالأنف، ويقطع الأذن بالأذن، ويقلع السن بالسن، ويقتص من الجارح غيره ظلما للمجروح. وهذا إخبار من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن اليهود، وتعزية منه له عن كفر من كفر منهم به بعد إقراره بنبوته وإدباره عنه بعد إقباله، وتعريف منه له جراءتهم قديما وحديثا على ربهم وعلى رسل ربهم وتقدمهم على كتاب الله بالتحريف والتبديل يقول تعالى ذكره له: وكيف يرضى هؤلاء اليهود يا محمد بحكمك إذا جاءوا يحكمونك وعندهم التوراة التي يقرون بها أنها كتابي ووحيي إلى رسولي موسى صلى الله عليه وسلم فيها حكمي بالرجم على الزناة المحصنين، وقضائي بينهم أن من قتل نفسا ظلما فهو بها قود، ومن فقأ عينا بغير حق فعينه بها مفقوءة قصاصا، ومن جدع أنفا فأنفه به مجدوع، ومن قلع سنا فسنه بها مقلوعة، ومن جرح غيره جرحا فهو مقتص منه مثل الجرح الذي جرحه، ثم هم مع الحكم الذي عنده في التوراة من أحكامي يتولون عنه ويتركون العمل به يقول: فهم بترك حكمك وبسخط قضائك بينهم أحرى وأولى. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لما رأت قريظة النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بالرجم وكانوا يخفونه في كتابهم، نهضت قريظة، فقالوا: يا محمد اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير وكان بينهم دم قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت النضير يتعززون على بني قريظة ودياتهم على أنصاف ديات النضير، وكانت الدية من وسوق التمر أربعين ومئة وسق لبني النضير وسبعين وسقا لبني قريظة. فقال:
" دم القرضي وفاء من دمه النضيري "
فغضب بنو النضير، وقالوا: لا نطيعك في الرجم، ولكن نأخذ بحدودنا التي كنا عليها فنزلت:
أفحكم الجاهلية يبغون
[المائدة: 50]، ونزل: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس }... الآية. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } قال: فما بالهم يخالفون، يقتلون النفسين بالنفس، ويفقئون العينين بالعين؟.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا خلاد الكوفي، قال: ثنا الثوري، عن السدي، عن أبي مالك، قال: كان بين حيين من الأنصار قتال، فكان بينهم قتلى، وكان لأحد الحيين على الآخر طول. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يجعل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والمرأة بالمرأة فنزلت : الحر بالحر والعبد بالعبد. قال سفيان: وبلغني عن ابن عباس أنه قال: نسختها: { النفس بالنفس }. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قا: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } فيها في التوراة، { والعين بالعين } حتى: { والجروح قصاص } قال مجاهد عن ابن عباس، قال: كان على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ليس بينهم دية في نفس ولا جرح. قال: وذلك قول الله تعالى ذكره: { وكتبنا عليهم فيها } في التوراة، فخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل عليم الدية في النفس والجراح، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن تصدق به فهو كفارة له. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } قال: إن بني إسرائيل لم يجعل لهم دية فيما كتب الله لموسى في التوراة من نفس قتلت، أو جرح، أو سن، أو عين، أو أنف، إنما هو القصاص أو العفو. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وكتبنا عليهم فيها } أي في التوراة، { أن النفس بالنفس }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وكتبنا عليهم فيها } أي في التوراة، { أن النفس بالنفس }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس }... حتى بلغ: { والجروح قصاص } بعضها ببعض. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { أن النفس بالنفس } قال: يقول: تقتل النفس بالنفس وتفقأ العين بالعين ويقطع الانف بالانف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونسائهم إذا كان في النفس وما دون النفس ويستوى فيه العبيد رجالهم ونسائهم فيما بينهم اذا كان عمدا فى النفس ومادون النفس. القول في تأويل قوله تعالى: { فمن تصدق به فهو كفارة له }. اختلف أهل التأويل في المعنى به: { فمن تصدق به فهو كفارة له } فقال بعضهم: عني بذلك المجروح وولى القتيل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهثيم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو: { فمن تصدق به فهو كفارة له } قال: يهدم عنه يعني المجروح مثل ذلك من ذنوبه.
Página desconocida