1086

[المائدة: 44] وقال آخرون: بل عني بذلك المنافقون. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } قال: هم المنافقون. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { آمنا بأفواههم } قال: يقول هم المنافقون. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: عني بذلك: { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم }: قوم من المنافقين. وجائز أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابن صوريا، وجائز أن يكون أبو لبابة، وجائز أن يكون غيرهما. غير أن أثبت شيء روي في ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيح من القول فيه أن يقال: عني به عبد الله بن صوريا. وإذا صح ذلك كان تأويل الآية: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك والتكذيب بأنك لي نبي من الذين قالوا: صدقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينا بوجودنا صفتك في كتابنا وذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق، عن الزهري، أن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان على هذا الخبر من ابن صوريا إيمانا برسول الله صلى الله عليه وسلم بفيه، ولم يكن مصدقا لذلك بقلبه، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مطلعه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدق قلبه بأنك لله رسول مرسل. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك }. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الرسول، لا يحزنك تسرع من تسرع من هؤلاء المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم تصديقك، وهم معتقدون تكذيبك إلى الكفر بك، ولا تسرع اليهود إلى جحود نبوتك. ثم وصف جل ذكره صفتهم ونعتهم له بنعوتهم الذميمة وأفعالهم الرديئة، وأخبره معزيا له على ما يناله من الحزن بتكذيبهم إياه مع علمهم بصدقه أنهم أهل استحلال الحرام والمآكل الرديئة والمطاعم الدنيئة من الرشا والسحت، وأنهم أهل إفك وكذب على الله وتحريف كتابه. ثم أعلمه أنه محل بهم خزيه في عاجل الدنيا، وعقابه في آجل الآخرة، فقال: هم { سماعون للكذب } يعني هؤلاء المنافقين من اليهود، يقول: هم يسمعون الكذب، وسمعهم الكذب: سمعهم قول أحبارهم أن حكم الزاني المحصن في التوراة: التحميم والجلد، { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } يقول: يسمعون لأهل الزاني الذين أرادوا الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم القوم الآخرون الذين لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا مصرين على أن يأتوه، كما قال مجاهد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال مجاهد: { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك }: مع من أتوك. واختلف أهل التأويل في السماعين للكذب السماعين لقوم آخرين، فقال بعضهم: سماعون لقوم آخرين يهود فدك، والقوم الآخرون الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا زكريا ومجالد، عن الشعبي، عن جابر في قوله: { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين } قال: يهود المدينة { لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه } قال: يهود فدك يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا فخذوه.

وقال آخرون: المعنى بذلك قوم من اليهود كان أهل المرأة التي بغت بعثوا بهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم فيها، والباعثون بهم هم القوم الآخرون، وهم أهل المرأة الفاجرة، لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون } كان بنو إسرائيل أنزل الله عليهم: إذا زنى منكم أحد فارجموه. فلم يزالوا بذلك حتى زنى رجل من خيارهم فلما اجتمعت بنو إسرائيل يرجمونه، قام الخيار والأشراف فمنعوه. ثم زنى رجل من الضعفاء، فاجتمعوا ليرجموه، فاجتمعت الضعفاء فقالوا: لا ترجموه حتى تأتوا بصاحبكم فترجمونهما جميعا فقالت بنو إسرائيل: ان هذا الامر قد اشتد علينا، فتعالوا فلنصلحه، فتركوا الرجم، وجعلوا مكانه أربعين جلدة بحبل مقير ويحممونه ويحملونه على حمار، ووجهه الى ذنبه، ويسودون وجهه، ويطوفون به، فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، فزنت امرأة من أشراف اليهود، يقال لها بسرة، فبعث أبوها ناسا من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه عن الزنا وما نزل إليه فيه فإنا نخاف أن يفضحنا ويخبرنا بما صنعنا، فإن أعطاكم الجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فاحذروه. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال:

" الرجم "

فأنزل الله عز وجل: { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه } حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدا. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن السماعين للكذب، هم السماعون لقوم آخرين. وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود المدينة والمسموع لهم من يهود فدك، ويجوز أن يكونوا كانوا من غيرهم. غير أنه أي ذلك كان، فهو من صفة قوم من يهود سمعوا الكذب على الله في حكم المرأة التي كانت بغت فيهم وهي محصنة، وأن حكمها في التوراة التحميم والجلد، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم اللازم لها، وسمعوا ما يقول فيها قوم المرأة الفاجرة قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتكمين إليه فيها. وإنما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لهم ليعلموا أهل المرأة الفاجرة ما يكون من جوابه لهم، فإن لم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكما فيهم، وإن كان من حكمه الرجم حذروه وتركوا الرضا به وبحكمه. وبنحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين } قال: لقوم آخرين لم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوه، يقولون لهم الكذب: محمد كاذب، وليس هذا في التوراة، فلا تؤمنوا به.

القول في تأويل قوله تعالى: { يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا }. يقول تعالى ذكره: يحرف هؤلاء السماعون للكذب، السماعون لقوم آخرين منهم لم يأتوك بعد من اليهود الكلم. وكان تحريفهم ذلك: تغييرهم حكم الله تعالى ذكره الذي أنزله في التوراة في المحصنات والمحصنين من الزناة بالرجم إلى الجلد والتحميم، فقال تعالى ذكره: { يحرفون الكلم } يعني: هؤلاء اليهود، والمعنى: حكم الكلم، فاكتفى بذكر الخبر من تحريف الكلم عن ذكر الحكم لمعرفة السامعين لمعناه. وكذلك قوله: { من بعد مواضعه } والمعنى: من بعد وضع الله ذلك مواضعه، فاكتفى بالخبر من ذكر مواضعه عن ذكر وضع ذلك، كما قال تعالى ذكره: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والمعنى: ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الآخر. وقد يحتمل أن يكون معناه: يحرفون الكلم عن مواضعه، فتكون «بعد» وضعت موضع «عن»، كما يقال: جئتك عن فراغي من الشغل، يريد: بعد فراغي من الشغل. ويعني بقوله { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } يقول: هؤلاء الباغون السماعون للكذب، إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم في صاحبنا فخذوه، يقول: فاقبلوه منه، وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم، فاحذروا. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثني الزهري، قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثهم في قصة ذكرها: { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } قال: بعثوا وتخلفوا، وأمروهم بما أمروهم به من تحريف الكلم عن مواضعه ، فقال: يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه للتحميم، وإن لم تؤتوه فاحذروا: أي الرجم. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { إن أوتيتم هذا }: إن وافقكم هذا، { فخذوه } يهود تقوله للمنافقين. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { إن أوتيتم هذا فخذوه }: إن وافقكم هذا فخذوه، وإن لم يوافقكم فاحذروه. يهود تقوله للمنافقين. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدا، يقولون: { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا }. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا زكريا ومجالد، عن الشعبي، عن جابر: { يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } يهود فدك يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا الرجم.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } هم اليهود، زنت منهم امرأة، وكان الله قد حكم في التوراة في الزنا بالرجم، فنفسوا أن يرجموها، وقالوا: انطلقوا إلى محمد فعسى أن يكون عنده رخصة، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها. فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم إن امرأة منا زنت، فما تقول فيها؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:

" كيف حكم الله في التوراة في الزاني؟ "

فقالوا: دعنا من التوراة، ولكن ما عندك في ذلك فقال:

" ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى "

Página desconocida

Tafsir al-Tabari | Usul