فلعلك قد لاحظت أنه يفترض أحيانا أن الجوهر قد حمل طبائعه دفعة واحدة، ويفترض أحيانا أخرى أن الجوهر قد حمل طبائعه على دفعات؛ فالحالة الأولى هي حالة الشيء إذ يكون من صنعة الله، والحالة الثانية هي حالته إذ يكون من صنعة الإنسان؛ والمهم هنا هو أن نعرف إن كان في مكنة الإنسان أن يحاكي فطرة الله في صنعه. يقول جابر: «إن الجوهر إما أن تحمل عليه الطبائع دفعة واحدة، وقد بينا أنه مثل خلق البارئ جل وعز ما لم يكن، والثاني فعلنا نحن في الجوهر وحمل الطبائع عليه في دفعات؛ فكأن الأول يكون متخلصا، وإنما يحصل لنا وزنه ولا يحصل لنا تخليصه على تحقيق، والثاني أن يحصل لنا وزنه ويمكننا تخليصه على تحقيق، فافهم ذلك لتكون لك به دربة أولا، وشارك المصنوع بغيره ...»
20
ونحن نفهم من هذه الفقرة أن الرأي عند جابر هو أننا إزاء الشيء الطبيعي الفطري، كقطعة من الذهب الطبيعي - مثلا - أو فرد من أفراد الحيوان أو النبات، نستطيع دراسة عناصره وطريقة تكوينه، لكننا لا نستطيع حله وتفكيكه ورده إلى أصوله الأولى التي منها قد تركب، وأما إزاء الشيء المصنوع ففي مستطاعنا أن نحله كما ركبناه، وأن نعود إلى تركيبه كما حللناه. وأهم ما في الفقرة السالفة هو قوله: «وشارك المصنوع بغيره». ومعناها كما نفهمه هو أن في مستطاع الإنسان - بعد درس وتدريب - أن يحاكي بالصناعة كل ما قد حوته الطبيعة من صنعة الله؛ لكن جابرا يستدرك مسرعا فيقرر وجود التفاوت بين الصنعتين؛ فقد أمد الله الإنسان بالقدرة على أن يفعل بالطبائع ما شاء، وأن يستخدم الجوهر والزمان والمكان والكمية والكيفية على أي نحو أحب، ولكنه بعد أن أمد الإنسان بهذه القدرة، أعجزه عن أن يعمل كعمله هو، فالله قادر على أن يحيي الموتى وليس الإنسان على ذلك بقادر.
21 (5) الحيوان والنبات والحجر
هذه هي الموجودات الثلاثة المتركبة من الأربعة المركبة «وهذه الأربعة المركبة مقصود بها النار والهواء والماء والأرض، وهي مركبة من البسائط الأولية الأربعة: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة».
أما الحيوان فهو أربعة أقسام: ماش، وزاحف، وطائر، وسابح؛ وكل من هذه الأقسام مؤلف من: نفس، وجوهر، وحرارة، وبرودة، ويبوسة، ورطوبة، محصورة كلها في مكان وفي زمان، اللهم إلا الإنسان وحده من صنوف الحيوان فيزيد عنصرا وهو العقل،
22
كما يتضح من القائمتين الآتيتين: (أ) الحيوان (ب) الإنسان
المكان
الزمان
Página desconocida