مقدمة [التحقيق]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فهذا كتاب "الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية" نقدمه للناس في وقت يحتاج الناس إلى معرفة الأحاديث القدسية، وما أكثرها، وكثير من الناس بل ومن طلاب العلم يظن أننا إذا قلنا: هذا حديث قدسي، أنه حديث صحيح، وهذا غير صحيح. فكم من الأحاديث القدسية فيها ضعف، وربما كانت شديدة الضعف أو موضوعة، فهي كالأحاديث النبوية سواء بسواء؛ لذلك كان لابد من البحث عنها، والنظر في أسانيدها، والتحقيق فيها، والحكم عليها حسب قواعد علم مصطلح الحديث، فقد تكون صحيحة، وقد تكون حسنة، وقد تكون موضوعة.
والحافظ المناوي الذي جمع هذه الأحاديث لم يجمعها على أنها صحيحة، بل جمعها جمعًا بغض النظر عن صحتها، وحسنها، وضعفها بل على أنها أحاديث قدسِّية فقط، والشيخ محمد منير بن عبده آغا الدمشقي الذي شرحها لم يتعرض للأحاديث من جهة صحتها وضعفها،
1 / 1
وإنما شرح ألفاظا ومعانيها، وترجم لبعض الرواة كما ذكر رحمه الله تعالى في شرحه لهذه الأحاديث: أنه وجد بعض الأحاديث تحتاج إلى شرح وإيضاح، وعلَّق عليها قدر الحاجة الماسة، وعرَّف الحديث القدسي، وبيَّن الفرق بينه وبين القرآن الكريم؛ ليكون القارئ على بصيرة من أمره.
وقد رتبه المؤلف المناوي على حروف المعجم تسهيلًا لطلاب العلم، فجزى الله تعالى خيرًا المؤلف، والشارح.
هذا وقد قمنا بتخريج الأحاديث القدسية التي جمعها المؤلف المناوي، كما خرجنا الأحاديث التي استشهد بها الشارح صاحب كتاب النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية الشيخ محمد منير الدمشقي، وترجمنا بعض الأعلام باختصار نرجو الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد القادر الأرناؤوط وطالب عواد
1 / 2
ترجمة المؤلف
هو زين الدين محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري. له مؤلفات كثيرة، منها الكبير والصغير، والتام والناقص، عاش في القاهرة، وتوفي بها، من تصانيفه: كنوز الحقائق في الحديث، والتيسير شرح الجامع الصغير، اختصره من شرحه الكبير "فيض القدير شرح الجامع الصغير" و"شرح الشمائل" للترمذي، و"الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية" و"الجواهر المضيئة في الآداب السلطانية" وغيرها من الكتب، منها ما قد طبُع، ومنها ما لم يُطبع.
وكتاب "الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية" وهو كتابنا هذا، وهو متساهل في الصحيح والحسن، يعلم ذلك من يطالع كتابه "فيض القدير شرح الجامع الصغير". وهو من كبار علماء مصر، انزوى للبحث والتصنيف، وكان قليل الطعام، كثير السهر، وقد مرض في آخر عمره، وضعفت أطرافه، فكان ولده يستملي منه تآليفه.
توفي سة "١٠٣٠"هـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
1 / 3
[مقدمة الشارح]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرحَ قلوبَ أحبابه بأحاديثه القدسية، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه الناطق بالحكمة، وجوامع الكلم الكلية، وآله وصحبه الباذلين جهدهم في نشرالعلوم، والمشاريع الشرعية، والعرفية.
أما بعد: فيقول أفقر الورى إلى ربه الغني محمد منير بن عبده آغا الدمشقي الأزهري: طلب مني جماعة من طلبة العلم في المعاهد الدينية أن أختار لهم كتابًا في الأحاديث القدسية، وأنشره كي ينتفعوا به مع بيان مخرج الحديث، فنقبت عن ذلك مدة، فعثرت على رسالة الشيخ الوالي المحدث عبد الرؤوف المناوي الحدادي والد محمد تاج الدين في دار الكتب المصرية، فندبت أحد علماء الأزهر إلى نقلها عن أصلها، وبعد أن تمَّ ذلك قابلتها وصححتها، ولما وجدت فيها بعض أحاديث تحتاج إلى شرح، وإيضاح علقت عليها بقدر الحاجة الماسة لذلك، وأرجو الله أن يوفقني إلى نشر الكتب النافعة التي تنهض بالأمة، وتذكرها بسلفها، وما كانوا عليه من المجد، والعز، والسيطرة على غالب ممالك المعمورة.
وأذكرُ هنا تعريف الحديث القدسي، والفرق بينه وبين الحديث النبوي، وبينه وبين القرآن الحكيم؛ ليكون القارئ على بصيرة منها.
1 / 5
أقول:
الحديث القدسي: هو ما أخبرَ الله تعالى به نبيه بإلهام، أو مقام، فأخبر الرسول ﵊ عن ذلك المعنى بعبارة من نفسه.
والحديث النبوي: ما يضاف إلى النبي ﷺ لفظًا ومعنى، فيقال: حديث نبوي، ولا يقال له: حديث قدسي.
والقرآن: هو اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته. وفرَّق الفقهاء بينها: بأن القرآن معجز، وكونه معجزة باقية على ممرِّ الدهور محفوظة من التغيير والتبديل.
وحرمة مسه للمحدِث وتلاوته لنحو الجنب، وروايته عند الإمام أحمد، وكراهته عند الشافعية، وتسمية الجملة منه آية وسورة، ويعطى قارئه بكل حرف عشر حسنات، وأن الصلاة لا تكون إلا بالقرآن، وأن جاحد القرآن يكفر بخلاف جاحد الحديث القدسي، والنبوي، وأنه لابد فيه من كون جبريل ﵇ واسطة بين النبي ﷺ وبين الله تعالى، بخلاف الحديث القدسي، وغير ذلك مما هو مذكرو في محالِّه، والله أعلم.
وقال ملاَّ علي القارئ عليه رحمة الباري: الحديث القدسي: ما يرويه صدر الرواة وبدر الثقات، عليه أفصل الصلوات، وأكمل التحيات عن الله ﵎ تارةً بواسطة جبرائيل ﵇، وتارة بالوحي، والإلهام، والمنام مفوضًا إليه التعبير بأي عبارة شاء من أنواع الكلام.
"تنبيه": وجد في خطبة هذه الرسالة لمحمد المدعو: تاج الدين بن المناوي الحدادي، وفي طرة الرسالة: -جمع الحقير الفقير الراجي فضل ربه القدير محمد المدعو تاج الدين المناوي الحدادي- وفي فهرس دار الكتب المصرية: محمد تاج الدين بن علي بن زيد العابدين - وفي "كشف الظنون" هو للشيخ محمد المعروف بعبد الرؤوف المناوي الحدادي المتوفي سنة "١٠٣٥"، أوَّله: الحمد لله الذي نزَّل أهل الحديث أعلى منازل
1 / 6
الشرف ... إلخ، وهذا كله خلاف الحقيقة، والصواب - على ما يظهر من ترجمة الحافظ: عبد الرؤوف بن تاج العارفين علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري - إنه لعبد الرؤوف، إلا أنه لم يكمله، بل تركه مسودة، فجاء ولده المدعو: تاج الدين، وأكمله بعد أن بيضه، ونسبه إلى نفسه؛ لأن والده عبد الرؤوف عجز في آخر عمره بسبب الأمراض من تكميل كثير من مؤلفاته -على ما جاء في كتاب "خلاصة الأثر" فكان ولده محمد تاج الدين يستملي منه التآليف، ويسطِّرها؛ لذلك نسب ولده: محمد تاج الدين هذه الرسالة لنفسه في خطبتها، وهذا ما اهتديت إليه بعد بحث عميق، والله هو الهادي للصواب، وإليه المرجع والمآب.
1 / 7
[مقدمة المصنف]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي نزَّل أهل الحديث أعلى منازل التشريف، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الشريف، العفيف، وآله، وصحبه، المعصومين في المقال عن التبديلِ والتحريف.
وبعد: يقولُ العبدُ الضعيف، الراجي عفو ربه الرؤوف اللطيف محمد المدعو: تاج الدين المناوي الحدادي، كفاه الله شر المناوي، والمعادي:
هذا كتاب أوردت فيه ما وقفت عليه من الأحاديث القدسية، الواردة على لسان خير البرية، مرتبًِا له على حروف المعجم، سائلًا الله أن يغفر لي ما ارتكبته من الزلل، ويرحم، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وسمَّيته "الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية".
شرح حديث: ابن آدم! أنزلت عليك سبع آيات
١- قال الله تعالى: "ابن آدم! أنزلت عليك سبع آيات: ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني وبينك، فأما التي لي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ والتي بيني وبينك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، منك العبادة وعليَّ العون، وأما التي لك، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
"١. رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن أبي بن كعب.
ش- خاطب الله عباده بخطاب عام شامل المؤمن، والكافر، الذكر، والأنثى، الحر، والعبد بقوله: ابن آدم" أي: أن الله ﷾ أنزل سبع آياتٍ: ثلاثًا
١ رواه الطبراني في الأوسط رقم "٦٤١١" وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "٢/ ١١٢" وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سليمان بن أرقم متروك. فالحديث ضعيف.
1 / 8
مختصةً بالله تعالى، أولها: الحمد لله، الحمد والثناء على الحقيقة لا يكون إلا لله جلَّ اسمه، وتنزهت صفاته، فكل فرد من أفراد الحمد إنما هو لله سبحانه، وتعالى حقيقة؛ لأن النعم منه وإليه.
والثانية: الرحمن الرحيم، يعني: أن هذين الوصفين هما من خواص أسمائه ونعوت جلاله، فهو ﷻ: الرحمن؛ أي: المنعم بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها.
قال أبو علي الفارسي١: الرحمن: اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به تعالى، والرحيم: إنما هو في جهة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] .
والثالثة: مالك يوم الدين؛ أي: مالك يوم الحساب والجزاء، يوم يدين الله العبادَ بأعمالهم، ويجازي كل عامل بما عمله، واكتسبه.
وثلاثًا مشتركة بين الرب تعالت أسماؤه، وبين العبد، وهي: إياك نعبد وإياك نستعين ألَّا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، فنخصك بالعبادة والاستعانة في جميع الأمور، لا نفعل عبادة ما إلا لذاتك وعظمة جلالك، فكل عبادة لغيرك أو فيها غيرك شرك، ومردودة على صاحبها، والاستعانة، والالتجاء والمعونة لا تكون إلا بك جل اسمك، وعزَّ ثناؤك، ومنك، فمن استعان بغيرك، وأشرك معك غيرك، فقد أشرك، وجحد نعماءك، وضل سواء الطريق. منك العبادة وعلي العون، أي: فعلى العبد المخلوق القيام بالعبادة التي أمره الله جل ذكره بها وحضه عليها، ومنه طالبها، ومن الله ﷻ المعونة، والتسديد، والقدرة عليها، وتسهيلها، والتوفيق لها، والتيسير لفعلها، والمحافظة عليها.
وأما التي هي خاصة بالعبد: فاهدنا الصرط المستقيم ... إلخ؛ بأن يدعو الله سبحانه في السراء، والضراء بأن يهديه إلى دين الحق الواضح؛ الذي لا اعوجاج فيه، والصراط السوي الذي هو دين الإسلام: الدين الخالص، الدين المشتمل على سعادة الدارين. صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. غير المغضوب عليهم الذي فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنها،
١ أبو علي الفارسي: هو الحسين بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الأصل، أحد الأئمة في علم العربية. ولد في "فسا" من أعمال فارس، دخل بغداد سنة "٣٠٧" وتجول في البلدان، وقدم حلب سنة "٣٤١" هـ فأقام مدة عند سيف الدولة، وعاد إلى فارس فصحب عضد الدولة، وتوفي سنة "٣٧٧"هـ.
1 / 9
ولا صراطَ الضالين الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق. اللهم أصلحْ حال الأمة الإسلامية، واهدهم للتمسك بالكتاب الحكيم، وسنة من هو بالمؤمنين رحيم!
شرح حديث: ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى
...
٢- "ابن آدم! تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسدَّ فقرك. وإلا تفعل؛ ملأت صدرك شغلًا، ولم أسدْ فقرك "١. رواه الترمذي، والبيهقي عن أبي هريرة.
ش- أمرٌ من الله تعالى لعباده أن يفرِّغوا قلوبهم إلى عبادته تعالى، ولا يشغلوها بالسوى فتملأ صدورهم غنى، فلا ينظرون إلى الدنيا وزهرتها، ولا إلى ما في أيدي الناس. بل الدنيا بأيديهم دون قلوبهم يأخذون الزاد للآخرة، كمثل المسافر ليس له من سفره إلا المرور إلى مقصده، وهذه طريقة السلف الصالح، والقرون الأُول. ويسد فقره بأن لا يحتاج إلى أحد، وتشبع نفسه، وتزهد في الدنيا، وإن لم يفعل ما أمره الله به من ذلك ملأ الله صدره شغلًا؛ بأن يكون همُّه الدنيا، لا يشبع من حطامها؛ لانهماكه فيها، وشرهه، لم يسد فقره، بل يكون دائمًا محتاجًا فيها، ظاهر الفقر، وإن كان لديه مال كثير. فاسأل الله السلامة من الدنيا والميل إليها.
١ رواه أحمد في المسند "٣/ ٣٥٨". والترمذي رقم "٢٤٦٨" في صفة القيامة.
وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه رقم "٤١٠٧". في الزهد. باب الهمِّ بالدنيا. والبيهقي في الشعب رقم "١٠٣٣٩" والحاكم في المستدرك "٢/ ٤٤٣" وصححه، ووافقه الذهبي، وابن حبان رقم "٢٤٧٧" موارد. من حديث أبي هريرة ﵁. نقول وهو حديث صحيح.
شرح حديث: ابن آدم! اذكرني بعد الفجر
...
٣- "ابن آدم! اذكرني بعد الفجر، وبعد العصر ساعةً أكفكَ ما بينهما" ١. رواه مسلم في الزهد، وأبو نعيم عن أبي هريرة.
١ رواه عبد الله في زوائد الزهد لأحمد ص "٣٧". وقال حدثنا عبد الله بن سندل، حدثنا ابن المبارك عن جبير عن الحسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيما يذكر عن ربه ﷿. والحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁ كما قال غير واحد. وانظر التهذيب.
ورواه أبو نعيم في الحلية "٨/ ٢١٣" وقال أبو نعيم: غريب من حديث الحسن عن أبي هريرة: نقول: وهو حديث ضعيف.
شرح حديث: ابن آدم! اكفني أول النهار أربع ركعات
...
٤- "ابن آدم! اكفني أول النهار أربع ركعات أكفك بهن آخر يومك" ١
١ رواه أحمد في المسند "٤/ ١٥٣". وأبو يعلى رقم "١٧٥٧". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "٢/ ٢٣٥" وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله ورجال الصحيح. وهو حديث صحيح.
1 / 10
رواه الإمام أحمد وأبو يعلى عن عقبة بن عامر الجهني.
شرح حديث: ابن آدم! صل لي أربع ركعات من أول النهار
...
٥- "ابن آدم! صلِ لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" ١. رواه أحمد عن أبي مرة الطائفي.
١ رواه أحمد في المسند "٥/ ٢٨٧". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "٢/ ٢٣٦" وقال رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح نقول: وهو حديث صحيح. من حديث أبي مرة الطائفي ﵁.
شرح حديث: ابن آدم! عندك ما يكفيك
...
٦- "ابن آدم! عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، إذا أصبحت معافى في جسدك، آمنًا في سربك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء" ١. رواه ابن عدي، والبيهقي عن ابن عمر.
ش - أي: يابن آدم عندك ما يسد حاجتك على وجه الكفاف، وأنت تحاول أخذ ما يطغيك، ويحملك على الظلم، ومجاوزة الحدود الشرعية، والحقوق المرعية. يابن آدم لا بقليل من الرزق تقنع؛ أي: ترضى، وتكتفي بما قسم لك، ولا من كثير تشبع، بل لا تزال شرهًا، نهمًا، تتطلع لما في أيدي الناس. يابن آدم إذا أصبحت؛ أي: دخلت في وقت الصباح والحال أنك معافى، أي: سالمًا من الآلام، والآثام في جسمك، وبدنك، آمنًا في سربك -بكسر وسكون، أي: نفسك- أو بفتح وسكون- مذهبك وملكك. عندك قوت يومك، وهو ما يقوم بكفايتك في يومك، وليلتك، أو ما يسد الرمق، فعلى الدنيا العفاء -بفتح العين المهملة- أي: الهلاك، والدروس، وذهاب الأثر.
قال الزمخرشي٢: ومنه قولهم: عليه العفاء: إذا دعا عليه ليعفو أثره والمعنى: إذا
١ رواه البيهقي في الشعب رقم "١٠٣٦٠". وأبو نعيم في الحلية "٦/ ٩٨" والطبراني في الأوسط "٨٨٧٥". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "١٠/ ٢٨٩" وقال رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو بكر الداهري وهو ضعيف: أقول: الداهري قال الذهبي في الكنى ليس بثقة ولا مأمون، وقال الجوزجاني: كذاب. وقال العقيلي: لا يقيم الحديث، ويحدث ببواطيل عن الثقات.
٢ الزمخشري: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي صاحب "الكشاف" "والمفصَّل" كان رأسًا في البلاغة والعربية. توفي ﵀ سنة "٥٣٨"هـ.
1 / 11