Economía textil en el Occidente islámico en la Edad Media
اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط
Géneros
مقدمة
1 - العوامل المؤثرة في صناعة وتجارة النسيج في الغرب الإسلامي
2 - المواد الخام النسيجية في الغرب الإسلامي
3 - صناع النسيج في الغرب الإسلامي منذ القرن 5-9ه/11-15م
4 - مراحل ومراكز صناعة النسيج في بلدان الغرب الإسلامي
5 - أسواق النسيج ونظمه التجارية في الغرب الإسلامي منذ القرن 5-9ه/11-15م
6 - المبادلات التجارية للنسيج في بلدان الغرب الإسلامي (5-9ه/11-15م)
الخاتمة
الملاحق
ثبت المصادر والمراجع
Página desconocida
مقدمة
1 - العوامل المؤثرة في صناعة وتجارة النسيج في الغرب الإسلامي
2 - المواد الخام النسيجية في الغرب الإسلامي
3 - صناع النسيج في الغرب الإسلامي منذ القرن 5-9ه/11-15م
4 - مراحل ومراكز صناعة النسيج في بلدان الغرب الإسلامي
5 - أسواق النسيج ونظمه التجارية في الغرب الإسلامي منذ القرن 5-9ه/11-15م
6 - المبادلات التجارية للنسيج في بلدان الغرب الإسلامي (5-9ه/11-15م)
الخاتمة
الملاحق
ثبت المصادر والمراجع
Página desconocida
اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط
اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط
تأليف
محمود هدية
بسم الله الرحمن الرحيم
والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين [النحل: 80]
وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون [الأنبياء: 80]
إلى خير الخلق محمد
صلى الله عليه وسلم .
أبي الحنون وأمي الحبيبة.
Página desconocida
إخوتي الأعزاء.
زوجتي الفاضلة.
ابنتي فريدة.
أهدي هذا العمل.
مقدمة
اكتسب الغرب الإسلامي دورا بارزا في تشكيل حضارة البحر المتوسط من خلال موروثاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وعلى وجه الخصوص الاقتصادية منها؛ باعتبارها إحدى ركائز الاتصال مع الشعوب والبلدان التي جاورت الغرب الإسلامي؛ ومن هذا المنطلق تكمن أهمية النسيج في تلك المنطقة، خاصة في العصر الوسيط؛ تلك الفترة التي شكلت جانبا مهما من تاريخ الغرب الإسلامي.
إذ تطور الغرض من اتخاذ المنسوجات كملابس ومفروشات في الغرب الإسلامي؛ لتمثل مظهرا من مظاهر الحضارة، يرى مردوده في الحياة العامة، في المساجد ودور العبادة والقصور والدواوين وفي كافة مناحي الحياة، خاصة بعد أن اتخذ النسيج طرزا ونوعيات ميزت أقاليمه في طرق الصنع وسبل التجارة، وصارت خاماته ونوعياته من العلامات المميزة له، فضلا عن الدور الذي أدته تجارة النسيج في تدعيم السياسة الاقتصادية والتجارية في بلدان الغرب الإسلامي؛ لذا اعتلت تجارة النسيج الصدارة وأصبحت واحدة من أبرز التجارات التي ترأست قوائم المبادلات التجارية في منطقة الغرب الإسلامي طيلة العصور الإسلامية.
ونبع هذا التميز من اهتمام مدن الغرب الإسلامي بالنسيج وتجارته بإقامة العلاقات التجارية مع مدن الغرب المسيحي، وبلاد السودان الجنوبي ومصر، وبلدان المشرق الإسلامي. وقد ساعد هذا على تبادل الخبرات ومواد النسيج الخام، فضلا عن سعي حكومات الغرب الإسلامي لإنشاء القيساريات والأسواق التي أولت اهتمامها بصناع وتجار النسيج.
ويمثل هذا الكتاب أهمية كبيرة للمهتمين بدراسة التاريخ الاقتصادي للغرب الإسلامي؛ لأنه يستعرض البيئة الزراعية لتلك المنطقة، فضلا عن الوضع الصناعي الذي اتبع، والتقسيمات الصناعية وصنوف الصناع، هذا بالإضافة إلى الوجود التجاري من أسواق وقيساريات ونقابات، والعلاقات التجارية التي امتدت شرقا وغربا، وقد جاء الكتاب في ستة فصول:
الفصل الأول:
Página desconocida
تناول أهم العوامل المؤثرة في النسيج من زراعة وصناعة وتجارة، مع ذكر أهمية النسيج والمنسوجات في الغرب الإسلامي.
الفصل الثاني:
عرضت فيه للنباتات النسيجية الأولية ومناطق زراعتها، بالإضافة للصوف ومراكز توطنه، وأهم المراعي ببلدان الغرب الإسلامي، وتطرقت بالحديث عن زراعة التوت، ونباتات الصباغة، وأهم مناطق إنتاجها بالغرب الإسلامي.
الفصل الثالث:
تطرقت فيه بالحديث عن أصناف صناع النسيج في الغرب الإسلامي؛ من مبتدئين وصناع ومعلمين، كما ذكرت صناع النسيج من حرارين وقطانين وصوافين وكمادين وصباغين، وكذلك فئات صناع النسيج من علماء ونساء وصبية وغلمان بالإضافة لأهل الذمة.
الفصل الرابع:
ذكرت فيه مراحل صناعة النسيج من تجهيز وغزل وتصنيع، فضلا عن مجال مراكز الصناعة الحريرية والصوفية والقطنية وكذلك الكتانية، بالإضافة للصناعات الأخرى التي ارتبطت بصناعة النسيج من صباغة وغيرها.
الفصل الخامس:
أفرد لدراسة أسواق النسيج في الغرب الإسلامي وأهم المنشآت التجارية، مع ذكر أهم أسواق النسيج، ونظم النسيج التجارية وفئات تجار النسيج، وكذلك مقاييس وموازين وأسعار النسيج، بالإضافة لطرق بيعه، والحسبة على النسيج وتجاره داخل أسواق الغرب الإسلامي.
الفصل السادس :
Página desconocida
جاء لدراسة أشكال المبادلات التجارية للنسيج في بلدان الغرب الإسلامي من منتجات النسيج الخام والمنتجات الصناعية (المنسوجات)، وكذلك المبادلات التجارية للنسيج مع بلاد السودان والسودان الغربي، والبلدان المشرقية (الهند والصين)، والبلدان المصرية، وبلدان الغرب المسيحي من ميورقة والجمهوريات الإيطالية.
وأخيرا أتمنى من الله العلي القدير التوفيق والسداد.
الفصل الأول
العوامل المؤثرة في صناعة وتجارة النسيج في الغرب الإسلامي
(1) الواقع الجغرافي للغرب الإسلامي
نظرا لأهمية الواقع الجغرافي للغرب الإسلامي وجب التنويه له حتى يتسنى تكوين تصور جغرافي لمناطق زراعة وصناعة وتجارة النسيج في الغرب الإسلامي.
فيطلق لفظ بلاد المغرب على المنطقة التي يحدها المحيط الأطلسي من جهة الغرب،
1
ومن جهة الشرق أرض مصر،
2
Página desconocida
ويحدها من الشمال البحر المتوسط، ومن جهة الجنوب فتحد بلاد المغرب جبال الرمل (الصحراء الكبرى) التي تمتد من المحيط الأطلسي غربا إلى ما وراء الصحراء وحتى برقة شرقا.
3
وتنقسم بلاد المغرب إلى ثلاثة أقاليم رئيسية: فتبدأ بإقليم المغرب الأدنى الذي يمتد من الأجزاء الغربية من طرابلس والأراضي التونسية والأجزاء الشرقية الجزائرية،
4
ثم إقليم المغرب الأوسط الذي يمتد من الأراضي الجزائرية حاليا وجبال بني مزغنة وتلمسان،
5
بالإضافة لإقليم المغرب الأقصى الذي يمتد من وادي ملوية وجبال تازا شرقا، حتى المحيط الأطلسي غربا، ومن البحر المتوسط شمالا حتى جبال أطلس جنوبا.
6
وضمت بلاد المغرب العديد من المعالم الجغرافية من موانئ ومرافئ وجبال ووديان (أنهار)، وانتشرت بها الجبال على طول الشريط الساحلي وما يقع خلف ذلك الساحل من أراض وصحار وجبال كجبال نفوسة، وجبال درن، وجبال أطلس
7
Página desconocida
التي تعد من أبرز المعالم الجغرافية في بلاد المغرب الإسلامي.
8
وشكلت هذه الجبال مصدرا لتدفق الأنهار
9
ويعتبر نهر وادي سوليت ونهر وادي ملوية اللذان يصبان في البحر المتوسط من أهمها، فضلا عن العديد من الأنهار الداخلية كنهر وادي أم الربيع،
10
ونهر وادي سوس ووادي الشليف،
11
ونهر وادي سجلماسة ونهر فاس،
12
Página desconocida
بالإضافة لنهر وادي سبو،
13
ونهر وادي تنفست،
14
ونهر وادي درعة؛
15
مما أدى لوجود المدن والتجمعات السكانية على ضفاف تلك الأنهار.
وارتبطت طبيعة المغرب - في أقاليمه الثلاثة - بنشاطه الاقتصادي، نتيجة لكثرة السواحل التي يشرف عليها؛ سواء على المحيط الأطلسي أو البحر المتوسط، ولرداءة خلجان السواحل المطلة على الأطلسي، ازدادت أهمية السواحل المطلة على المتوسط. والأراضي المغربية في مجملها متوسطة الخصوبة متعددة التربة؛ لاختلاف مناطقها؛ فمنها التربة الجيرية، والرملية التي تكثر في المغرب، والسوداء التي تعتبر من أجود الأنواع والتي تكونت حول الأنهار، وفيها أيضا الأراضي ذات التربة الحمراء.
16
أما الأندلس فيقترب شكلها من مثلث وتحيط بها مياه البحر من ثلاث جهات: فمن الشرق والجنوب يحدها البحر المتوسط، ومن الغرب والشمال الغربي يحدها مياه المحيط الأطلسي، ومن الشمال يحدها جبل البرتات،
Página desconocida
17
كما يحيط بها عدة سلاسل جبلية تكاد تطوقها، كما انتشرت بها الوديان الخصبة التي تجري فيها الأنهار.
18
وبذلك وجد التنوع في سطح أرض الأندلس؛ فكان له أثره على المناخ، إذ يغلب على الأراضي الأندلسية مناخ البحر المتوسط وهو حار جاف صيفا، دافئ ممطر شتاء،
19
وعلى المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية الجاف بشكل عام، وتسقط الأمطار في النصف الشمالي من الأندلس أكثر من النصف الجنوبي.
20
وكان لتنوع مظاهر السطح والمناخ في الأندلس بهذا الشكل أن أرضها امتازت بالخصب حتى وصفها ابن غالب
21
بقوله: «الأندلس شامية في طيب أرضها ومياهها، بما فيه من اعتدالها واستوائها، أهوازية في عظيم جبايتها، عدنية في منافع سواحلها، صينية في جواهر معادنها، هندية في عطرها وطيبها.» وقال عنها الزهري: «هي أبرك بقاع الأرض وأكثرها نسلا ... ومن بركتها أنه لا يمشي الإنسان فيها فرسخين دون ماء، ولا يمشي ثلاثة فراسخ إلا وجد فيها الخبز والزيت.»
Página desconocida
22
وتعددت مصادر المياه في الأندلس متمثلة بمياه الأنهار الكثيرة؛ إذ «يشقها أربعون نهرا»
23
وتكثر فيها العيون والآبار التي لجأ الأندلسيون إلى حفرها في المناطق التي لا تتوافر فيها المياه؛ من أجل تلبية احتياجاتهم وسقي زراعاتهم، فضلا عن غزارة الأمطار الساقطة بكميات كافية للزراعة في بعض جهاتها،
24
فكثرة الأراضي الخصبة مع توافر مياه السقي شجعا الفلاحين الأندلسيين على استغلال أراض كثيرة في الزراعة؛ مما ترتب عليه زراعة أغلب المحاصيل الزراعية في الأندلس.
25
ومن أبرز الملامح الجغرافية للغرب الإسلامي بصفة عامة كثرة الجزر الموجودة به والمطلة عليه، فكان منها جزر كبيرة ومعروفة ومنها صغيرة ومجهولة،
26
فتمتعت كل جزيرة من تلك الجزر بعدة خصائص ميزتها بدرجات متفاوتة عن باقي الجزر كجزر البليار
Página desconocida
Baliares
27
التي من أشهرها جزيرة ميورقة، وغيرها من الجزر،
28
وجزيرة صقلية،
29
التي تعتبر من الجزر التي مثلت أهمية كبيرة للطريق البحري بين بلاد المغرب ومدن الغرب المسيحي وبخاصة الجمهوريات الإيطالية، الذي استخدم باستمرار في عمليات السفر والنقل البحري؛ نظرا لقصر المسافة بينهما، فضلا عن وجود العديد من الموانئ الخاصة لإرساء السفن بها للراحة أو التجارة، هذا بالإضافة لأهميتها التجارية التي اشتهرت بها،
30
فكان لموقعها - في وسط البحر المتوسط - أهميته الاقتصادية؛ مما جعلها محط أنظار القوى التجارية، فنشأت حوله قوى حضارية كبرى منذ القدم وتصارعت عليه، وساهم ذلك في إيجاد تسهيلات كبيرة لتجارة الشعوب التي تقع على هذا البحر، ولا يمكن أن يغفل موقع صقلية المتوسط في قلب رقعة اقتصادية موحدة مترامية الأطراف امتدت من الأندلس إلى بلاد الشام.
31
Página desconocida
وحصل التجار المسلمون في صقلية على رخص للسفر إليها من أجل أعمالهم التجارية قبل سيطرتهم عليها، ليزاولوا نشاطهم التجاري ضامنين العودة بحرية وسلامة إلى أوطانهم عندما يرغبون، بالإضافة للمعاملات التجارية البحرية بين أوروبا وأفريقيا حتى نهاية القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري، التي بدأت في صقلية وإن كانت محدودة.
32 (2) الأيدي العاملة
من المقومات الرئيسية لقيام الصناعة وازدهارها الأيدي العاملة الماهرة والقادرة على أداء الأعمال الموكلة إليها، فأطلق على من يعملون في الصناعات المختلفة صناعا،
33
واشتهرت العديد من المدن في الغرب الإسلامي بصناعها، كما ذكر ابن أبي زرع
34
أن أكثر الأهالي في عدوة القرويين بفاس القديمة كانوا صناعا، وفي تلمسان كان الصناع فئة كبيرة يعيشون حياة كريمة وينعمون بأوقات لراحتهم، وتونس كان أغلب سكانها من الصناع وخاصة صناع النسيج.
35
واتصف صناع الغرب الإسلامي بالدقة والجد والصبر في أداء أعمالهم، فجاء وصف ابن غالب
36
Página desconocida
مصداقا لهذا القول عند حديثه عن صناع الأندلس بقوله: «صينيون في إتقان الصنائع العملية وأحكام المهن التصورية؛ فهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة النصب في تحسين الصنائع.»
وقد شجع حكام الغرب الإسلامي الصناع على مزاولة أعمالهم خاصة إبان الحكم الموحدي (541ه/1146م-668ه/1269م) بعد اتساع نطاق الدولة الإسلامية، وتبادل الخبرات الصناعية بين رحاب الدولة سواء من الأندلس أو غيرها من البلدان في مختلف الصنائع.
37
وسعت السلطة في بعض الأحيان إلى مساعدة عمال وصناع النسيج من فترة لأخرى، فهناك رواية عن ربيع القطان
38
أنه في أوقات الحج كان السلطان بالقيروان يعطي صناع القطن كميات من القطن لغزلها وذلك في وقت محدد وسعر محدد: «يحسبه عليهم بدينارين القنطار، وكان يسوى دينارا ونصف، فطرح علي منه ثلاثة قناطير، فهممت أن أعمله وأهيئ ثمنه وأغزله.»
39
ويفهم من هذه الرواية أن السلطات - في بعض الأوقات - كانت تراعي أحوال العمال ولا تجور عليهم بل تعطيهم أكثر مما يستحقون. (3) النقل ومشاكله
كان للطبيعة الجغرافية أثر في أن يصبح البحر المتوسط من أنسب طرق الاتصال البحري الذي ساعد تجار وسكان الغرب الإسلامي على التنقل والسفر وممارسة التجارة البحرية،
40
Página desconocida
وعلى الرغم من ذلك فلم يخل من بعض الصعوبات التي وقفت حائلا أمام تقدم العمليات التجارية فأعاقتها، وكان للرياح دور في البحر المتوسط خاصة في تحديد أوقات السفر منه وإليه؛ فتعذر السفر خاصة في الفترات التي تزداد فيها سرعة الرياح،
41
فساعدت الرياح الشرقية في البحر المتوسط على حركة السفن وساهمت في تنشيط حركة التجارة،
42
التي نشطت في فصلي الربيع والخريف، فيذكر ابن جبير
43
ذلك: «فالمسافرون إلى المغرب وصقلية وإلى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق.» فلهذا اعتمدت الملاحة في البحر المتوسط على التجديف؛ لأن سرعة الرياح بطيئة في معظم أوقات السنة؛ فساد الهدوء خلال فترات طويلة من العام.
44
وكثيرا ما تسبب هياج البحر في تلف السلع والبضائع والأطعمة الموجودة على سطح السفن، بل كان سببا في حدوث التلف في السفن نفسها؛ مما هددها بالغرق؛
45
Página desconocida
لأن شدة هبوب الرياح يصاحبها هياج للبحر وسقوط للأمطار والبرد، فكان له دور في فساد البضائع وإلحاق الضرر بالأمتعة الموجودة على سطح السفينة ؛ ما بث حالة من الرعب والخوف في قلوب المسافرين والتجار.
46
ففي خطاب مؤرخ في عام 494ه/1100م، من أحد التجار الأندلسيين بالإسكندرية، يبرهن على أن الأسعار قد تأثرت بعدم وصول السفن التجارية في وقتها، فيذكر كاتب هذا الخطاب أن الحرير ازداد سعره نظرا لتأخر وصول مراكب الأندلس المحملة بالحرير، لعدم توافق الرياح المناسبة للإبحار، وقد استغل التجار هذا الموقف، وأحجم كل من لديه كمية من الحرير عن بيعها، أملا في زيادة السعر.
47
وتأثر ازدياد الأسعار بطول المسافة التي تقطعها القوافل، وبالضرائب المفروضة، وتكاليف الشحن.
48
ومن المشاكل التي تعرض لها التجار خاصة تجار النسيج، الحرائق التي كانت تحدث بصورة خاصة في الأسواق؛ مما يعرضهم لخسارة أموالهم، ففي عام 525ه/1130م، وقع حريق بأحد أسواق مدينة قرطبة، ويعرف باسم «سوق الكتانين»، والتهم هذا الحريق الكثير من بضائع التجار.
49
ووقع حريق في عام 533ه/1138م في سوق مدينة فاس؛ فكانت الخسائر كبيرة، وقد أسفر عن إفلاس العديد من التجار،
50
Página desconocida
ووقع عام 607ه/1210م حريق كبير في سوق مراكش، ومشكلة هذا الحريق أنه وقع في الليل وظل مشتعلا حتى الصباح، وقد التهمت النيران معظم ما وجد في هذه الأسواق من سلع وبضائع «وذهبت في لكائنة للتجار الواردين والقاطنين والقاصين والدانين، على الأخطار الجسيمة، ما لا يحصى، وافتقر فيها أمة من ذوي اليسار، وأصبحوا يتكففون الناس حيارى على الأقطار».
51
وتعرضت فاس لحريق آخر عام 646ه/1248م فيذكر ابن أبي زرع
52
عن حريق السوق فيقول: «وفيها احترقت أسواق فاس من قنطرة الصباغين بقرب باب السلسلة؛ فأحرقت سوق السقاطين والغمادين والسبيطريين والصباغين والصوابنيين، ووصلت إلى باب الجنائز من جامع القرويين، فوقف هنالك الشيخ الصالح عبد الله القشتالي بعد أن أحرقت مصاريع باب الجنائز ...» وسوق الصباغين بفاس الذي تعرض للسيول عام 725ه/1324م،
53
وأسواق الخياطين وأسواق البزازين.
54
وعلاوة على ذلك فقد اهتم الحكام بإقامة روابط وعلاقات تجارية داخل الغرب الإسلامي وخارجه بإنشاء الطرق والمراكز والأسواق التجارية، التي ربطت مراكزه بشبكة من الطرق والمسالك الرئيسية والفرعية وارتبطت بالطرق الخارجية وباتجاهات مختلفة، فمكنت هذه الشبكة من المسالك والطرق التجار من ممارسة أنشطتهم التجارية داخله وخارجه، ففي المغرب الأقصى لم ينقطع إنشاء تلك الطرق والمسالك حتى في حالات الحروب والفوضى السياسية.
55
Página desconocida
كما أثرت عوامل القطع والسرقة على حركة التجارة في بلدان الغرب الإسلامي، فكانت من أبرز العوامل التي أثرت وبشكل ملحوظ على حرية التنقل داخل أرجاء الغرب الإسلامي وعبر موانئه، والنتيجة في الغالب خسارة للأموال، وإزهاق للأرواح، وفقدان في كثير من الأحوال للحرية،
56
ونتيجة لغياب الأمن في بعض الفترات اضطر المسافرون والتجار لأن يستخدموا الطرق البحرية البديلة في أسفارهم وتجاراتهم؛ مما زاد من أهمية بعض الطرق على حساب الأخرى؛ ففاق السفر عن طريق البحر وجعله يفوق السفر عن طريق البر.
57 (4) أعمال القرصنة والقطع البحري
انتشرت أعمال القرصنة في البحر المتوسط وأثرت بشكل كبير على سير حركة التجار، وتشير القرصنة - بشكل كبير - إلى فترة العصور الوسطى، وإلى كل الغارات المخربة التي سببت أضرارا أو عرقلة بأي شكل من الأشكال على التجارة والملاحة البحرية؛ مما أثر على التجار والبحارة تأثيرا سلبيا بدرجات متفاوتة سواء كانت تلك الغارات موجهة من الخارج أو من الداخل - غارات حكومية - وما نتج عنها من مطاردات للمسافرين والتجار والسفن التجارية بهدف السلب والنهب.
58
والقرصان
La Corsale
هو ذلك الشخص الذي يهاجم السفينة بغض النظر عن هويتها في البحر أو على الساحل وما ينتج عن ذلك من قتل وسرقة وخطف،
59
Página desconocida
ولا بد أن يتمتع القرصان بعدة خصائص منها: إجادة الملاحة، وخوض المعارك والحروب البحرية، بالإضافة إلى كونه تاجرا ماهرا.
60
وازدياد حركة القرصنة في حوض البحر المتوسط الغربي يرجعه ماس لاتري
Mas latrie
61
إلى عدة أسباب، منها: التوسع الهائل للتجارة البحرية التي واكبت الحروب الصليبية وساعدت على انتشار أعمال القرصنة البحرية، كذلك الاعتراف القانوني في بعض الأحيان بشرعية ممارسة القرصنة، من جانب حكومات الغرب المسيحي.
وازدادت غارات القراصنة على شواطئ الغرب الإسلامي، وبالأخص على المدن والمراكز التجارية، كمدينة تونس التي مثلت مركزا تجاريا كبيرا بموقعها المتميز على البحر المتوسط، ففي شهر شوال من عام 702ه/1301م أغارت ثلاث سفن تابعة لقراصنة كتالونيين على مرسى تونس، واستولوا على مركب تابع لتجار من بيزا، محمل بالصوف قيمته ثلاثون ألف دينار،
62
وأغار أحد القراصنة الكتالونيين وهو القرصان بيدرو رابلتة على مدينة بونة وبنزرت واستولى على مركب تجار مسلمين محمل بالعود والقطن والتمر قيمته عشرة آلاف دينار.
63
Página desconocida
وكذلك تجارة النسيج والملابس كانت عرضة للعديد من غارات القرصنة،
64
وهو ما حدث في عام 800ه/1397م إذ تعرضت سفينة محملة بالصوف قادمة من ميورقة في طريقها لبرشلونة لغارة من القرصان الباسكي بيرو بايا
الذي حرقها بعد أن استولى على كل البضائع التي عليها.
65
وظهر تأثير القرصنة واضحا، خاصة قراصنة ميورقة،
66
على حجم المبادلات التجارية بين الموانئ الكتالونية ومدن المغرب الإسلامي خلال القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، خاصة على المنتجات الزراعية والجلد والصوف والأقمشة، وتجارة الملابس، وغيرها من البضائع.
67
كما كانت الحروب والهجمات سببا مباشرا في تراجع بعض المدن، وكان للفتن التي اندلعت في أوائل العصر الموحدي، وبالأخص غارات بني غانية،
Página desconocida