Intikasat Muslimin
انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح
Géneros
جدل ثقافي
الفصل الأول
حوار لم يكتمل مع المرحوم عبد الوهاب المسيري
رحم الله أخي الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي كان يملأ حياتنا الثقافية ثراء وحراكا، قد أخالف المسيري في بعض ما كتب أو قال، أو في معظمه، لكن ذلك لا يعني سوى المخالفة في الرأي، ولا يقلل من احترامي لإخلاص الرجل لفكرته ودأبه العملي وبحثه الرصين الذي أعطاه حياته، سواء أكانت نتائج هذه الأبحاث إيجابية أم سلبية حسب وجهة نظر القارئ ودرجة ثقافته وحياديته ومدى اتفاقه أو اختلافه مع المطروح.
وقد سبق لي أن التقيت هذا الباحث المجتهد خلال برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة للحوار حول العلمانية والاستبداد، وقد تم تقديمه بوصفه مفكرا إسلاميا وتم تقديمي بوصفي مفكرا علمانيا، على قبول من كلينا بهذه التعريفات، ورغم اختلافنا بالكامل، فقد خرجنا من الأستوديو يتوكأ كلانا على الآخر، مع اتفاق مبدئي على لقاء شخصي نستكمل فيه مناقشة القضية بشكل أوسع وأكثر تفصيلا.
وبعدها بأيام فوجئت في صحيفة إسلامية إلكترونية بحوار مع الدكتور المسيري يقول فيه إنه لو كان يعلم أني الذي سيناظره على الجزيرة ما قبل هذه المناظرة. ولأن الرجل لم ينشر ذلك مكتوبا بقلمه، فإني لم أعتد به، خاصة مع تجربتي مع الصحافيين الذين أسمح لهم بإجراء الحوارات معي فيشوهونها ويقولون على لساني ما لم أقل؛ ومن ثم اعتبرت القول منسوبا للدكتور المسيري وربما لم يقله قط؛ لأنه كان أعقل من قول هذا بعد مبارزة فكرية خرج منها مهزوما، وهو ممن لا يلجئون إلى النقمة عن عدم كسب الجولة، فلا هو الإرهابي كمال حبيب ولا هو سفيه لندن هاني السباعي ولا هو التافه رفعت سيد أحمد، إنما هو باحث محترم.
ولكن المرض لم يمهل الرجل وسافر إلى سبيله الأخير بعد أن ترك لنا أعمالا أقل ما يقال بشأنها إنها رمز تفان وإخلاص الرجل لما كان يعتقده صوابا.
ولأن الموضوع المطروح كان شديد الأهمية له ولي، وهو محل كتب وأبحاث لي وله على تناقض موقفينا، فقد رأيت أن أستكمل النقاش مع طروحاته في كتابيه الشهيرين عن العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، في انتقاءات سريعة لمناقشتها من وجهة نظري كرجل علماني يفخر بعلمانيته ويزهو ويترفع، وإذا كان ثمة تعقيبات أو ردود خاصة، فإن الرجل لقي ربه لكن كلامه لم يمت، وله من المريدين والزملاء والتلاميذ من يمكنهم متابعة هذه المناقشة والقول فيها إن شاءوا.
في الجزء الأول من كتابه عن العلمانية يقول المسيري في المقدمة (ص5): «ستحاول هذه الدراسة أن تتناول قضية العلمانية في جانبيها النظري والتطبيقي، من منظور نتصور أنه مختلف بعض الشيء عما هو سائد وشائع، فنحن نفرق بين ما نسميه العلمانية الجزئية التي هي فصل الدين عن الدولة، وبين العلمانية الشاملة التي هي فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة، في جانبيها العام والخاص.»
هنا نجده يقسم القيم إلى ثلاثة أنواع مختلفة، وهي القيم الإنسانية والقيم الأخلاقية والقيم الدينية، وهو تقسيم نوعي كيفي يجعل القيم الدينية شيئا والإنسانية شيئا والأخلاقية شيئا ثالثا.
Página desconocida