El hombre, el animal y la máquina: redefinición continua de la naturaleza humana
الإنسان والحيوان والآلة: إعادة تعريف مستمرة للطبيعة الإنسانية
Géneros
الفصل الثامن
الثقافة
(1) هل تمتلك الحيوانات ثقافة؟
تعتبر مسألة وجود «ثقافات حيوانية» إحدى المسائل التي يختلف عليها بقوة كبيرة المؤيدون والمعارضون لفكرة وجود تكامل بين الإنسان والحيوان، و«الثقافة» هي مجموعة تصرفات مثل الأدوات المستخدمة، والحديث، والقدرة على وضع قواعد ومفاهيم إدراكية عامة، والأخلاق، والاختيارات الجمالية التي تنتشر بين مجموعة من الأفراد وتدوم عبر الأجيال دون وراثة أو جينات. وهكذا فإن استخدام اللغة الفرنسية على سبيل المثال ينتقل من الآباء إلى أطفالهم، ولكن الطفل الذي تربى بلغة أخرى وسط عائلة بالتبني سيتحدث لغة مختلفة عن لغة والديه الحقيقيين. (1-1) هل الثقافة ميزة يتميز بها الإنسان وحده؟
يفرض السؤال التالي نفسه: هل تستطيع الحيوانات، أو على الأقل بعض الحيوانات، امتلاك بعض السمات الثقافية أم لا؟ يرى معارضو التكامل بين الإنسان والحيوان أن ذلك غير صحيح؛ فهم يوافقون بالطبع حاليا على أن كل المفكرين الكبار يقرون بنظرية التطور (انظر الفصل الأول) وعلى أن الحيوان والإنسان يمتلكان صفات جسدية مشتركة تنحدر من جينات مشتركة، ويوافقون أيضا على أن البشر يقتربون من الحيوانات على صعيد «الطبيعة» الجسدية وأنهم يمكنهم للأسف في بعض الأحيان الإصابة بأمراضها.
1
ولكنهم يرون أيضا أن الإنسان وحده يمتلك ثقافة وأن الحيوانات هي كائنات تعتمد على طبيعتها فقط، في حين أن الإنسان يمتلك طبيعة وثقافة في آن واحد، وهو ما يعد اختلافا حاسما بين الإنسان والحيوان.
ومع ذلك، فإن التقدم المحرز في مجال الإيثولوجيا؛ أي علم السلوك الحيواني، قد أظهر أن هؤلاء المعارضين مخطئون. فيوجد حتى في مجال الثقافة تكامل بين الحيوان والإنسان. فلنتفق أن لا أحد يدافع عن فكرة قدرة حيوان ما على استخدام كل دقائق لغة مثل الفرنسية أو الصينية! في المقابل قد نجد لدى بعض الحيوانات «المبادئ الأولى» لكل ما يمثل الثقافة الإنسانية مما يفترض وجود تكامل بين الإنسان والحيوان حتى في مجال الثقافة، وأول مثال على هذه الثقافات الحيوانية هو مثال قطيع من القردة راقب بعض الباحثين سلوكه في إحدى جزر اليابان. وكانت هذه القردة تتغذى على الشاطئ بإعطائها بطاطا حلوة غالبا ما تكون ملطخة بالرمال، واكتشفت قردة أنثى في يوم ما أن الطعام يكون أفضل إذا غسلت البطاطا الحلوة في المياه قبل تناولها، ثم اتبع القطيع كله سلوك الغسل الذي انتقل إلى الأجيال التالية. ومنذ ذلك الوقت، ظهرت «بعض المبادئ الأولى» للثقافات الحيوانية في جميع مجالات الثقافات الإنسانية تقريبا. إلا أنه من أجل التمييز بين الثقافات الحيوانية والثقافات الإنسانية الأكثر تعقيدا، يعد مصطلح «ثقافة أولية» مناسبا للغاية حتى لو يتعلق الأمر ب «ثقافات» بصورة عامة وفقا للمعنى الحرفي للمصطلح كما عرفناه فيما سبق. فما هي إذن أهم الثقافات الحيوانية «الأولية»؟ (1-2) الثقافات الحيوانية «الأولية»
يمكن إثبات أن العديد من الفصائل الحيوانية تستخدم أدوات بسيطة؛ حيث يستخدم الشمبانزي أغصانا صغيرة من أجل «اصطياد» النمل الأبيض في أعشاشه، هذا النمل الذي يشتهي التغذي عليه، ويستطيع أيضا كسر بعض الجوز على أحجار، وفي بعض الحالات تثبيت الحجر بحجر آخر، مكونا بذلك «أداة للأداة» أي أداة تستخدم في صناعة أداة أخرى. ويمكن ملاحظة هذه الأدوات البدائية بالطبع لدى العديد من فصائل الثدييات والطيور أيضا. فقد تعلمت بعض المجموعات من طائر القرقف في إنجلترا إزالة سدادة زجاجات اللبن التي توضع في الصباح أمام الأبواب، واستمر هذا السلوك في هذه المجموعات عبر التقليد. وفي بعض الأحيان، تمثل الأعشاش التي تبنيها الثدييات أو الطيور نوعا من الأدوات. ولنذكر في النهاية أن بعض الفصائل الحيوانية ذوات السلوكيات الأكثر نمطية مثل النمل تلجأ إلى صناعة الأدوات: زراعة الفطر، والخياطة بواسطة أوراق الشجر، إلخ.
ويمتلك العديد من الحيوانات القدرة على التواصل على صعيد الشم أو السمع أو البصر أو اللمس أو غيره، ومن الأمثلة المدهشة لهذا التواصل نجد التعقيد البالغ لغناء بعض الطيور. ففي الواقع يوجد من بين وظائف غناء الطيور عناصر عديدة للتواصل مع أبناء جنسها، مثل تأكيد سيطرتها على أرض ما أو التهديد أو الرغبة في التزاوج، وهو ما يميزه المتخصصون باسم التواصل في اللغة . فليس في التواصل أي إشارة إلا إلى عناصر موجودة مباشرة في البيئة: كإنذار لاقتراب حيوان مفترس أو نداء للدفاع أو لتحديد أراضيها أو طلبا للغذاء أو لشريك جنسي إلخ. أما في اللغة، فتتم الإشارة إلى عناصر غير موجودة في البيئة الفورية. وحتى يومنا هذا، اكتشف نوعان من «اللغة الأولية» لدى الحيوانات. فتعتبر «لغة النحل» رمزا بسيطا للغاية يسمح لنحلة وجدت مصدرا للغذاء أن تخبر أبناء جنسها عند عودتها إلى الخلية بالمسافة والاتجاه وأيضا بكمية الطعام الذي اكتشفته وذلك بواسطة الرقص. فهي إذن لغة مختزلة في أبسط صورها: كلمتان أو ثلاث، دون أي قاعدة نحوية! أما النوع الثاني فهو ليس لغة تكتسب تلقائيا في الطبيعة؛ فيستطيع الإنسان خارج المحيط الطبيعي تعليم مبادئ اللغة إلى قردة شبيهة بالإنسان (شمبانزي أو غوريلا ...) وبما أن هذه القردة لا تجيد اللغة الصوتية، فيكون هذا التعليم سواء عبر اللغة الحركية للصم والبكم، أو عبر إبراز رموز كمثلث أحمر لتمثيل شيء أو مربع أزرق لتمثيل شيء آخر وهكذا. وتستطيع بعض القردة الشبيهة بالإنسان والماهرة أن تتعلم حوالي 150 كلمة من هذه الكلمات وقواعد نحوية إجمالية مثل «إذا ... ف ...»، وهي بالطبع ليست لغة تستخدمها القردة الشبيهة بالإنسان تلقائيا في الطبيعة، بل هي مكتسبة بالتواصل مع الإنسان، ولكن يمكننا أن نلاحظ أن الإنسان نفسه لا يكتسب هو أيضا اللغة بصورة تلقائية إذا لم يتواصل في طفولته مع أشخاص آخرين؛ فالأطفال المتوحشون الذين تربيهم الحيوانات لا يتعلمون الحديث. فتظل إذن «اللغة الأولية» للقردة الشبيهة بالإنسان مصطنعة ولا تتخطى أداء طفل بشري يبلغ ثلاثة أعوام، ولكن من الممتع معرفة أننا قد نجد هذه «المبادئ الأولى» للخطاب لدى الحيوانات الشبيهة بنا.
Página desconocida