Insaf

الإنصاف فيما تضمنه الكشاف

Año de publicación

1385 - 1966 م

Regiones
Egipto
•
Imperios y Eras
Mamelucos

بسم الله الرحمن الرحيم قال محمود رحمه الله تعالى (الباء في البسملة تتعلق بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ أو أتلو) قال أحمد رحمه الله تعالى: الذي يقدره النحاة أبتدئ وهو المختار لوجوه: الأول أن فعل الابتداء يصح تقديره في كل بسملة ابتدئ بها فعل ما من الأفعال خلاف فعل القراءة، والعام لعموم صحة تقديره أولى أن يقدر، ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبرا أو صفة أو صلة أو حالا بالكون والاستقرار حيثما وقع، ويؤثرونه لعموم صحة تقديره. والثاني أن

Página 26

تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض من البسملة، إذ الغرض منها أن تقع مبدأ، فتقدير فعل الابتداء أوقع بالمحل، وأنت إذا قدرت أقرأ فإنما تعنى أبتدئ القراءة، والواقع في أثناء التلاوة قراءة أيضا، لكن البسملة غير مشروعة في غير الابتداء، ومنها ظهور فعل الابتداء في قوله تعالى - اقرأ بسم ربك - وقوله عليه السلام والسلام " كل أمر خطير ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر " ولا يعارض هذا ما ذكر من ظهور فعل القراءة في قوله تعالى - اقرأ بسم ربك - فإن فعل القراءة إنما ظهر ثم لأن الأهم هو القراءة غير منظور إلى الابتداء بها، ألا ترى إلى تقدم الفعل فيها على متعلقه لأنه الأهم، ولا كذلك في البسملة فإن الفعل المقدر كائنا ما كان إنما يقدر بعدها، ولو قدر قبل الاسم لفات الغرض

Página 27

من قصد الابتداء إذا على أنه الأهم في البسملة فوجب تقديره وسيأتي الكلام على هذا النكتة.

Página 28

قال محمود (لم قدرت المحذوف متأخرا الخ) قال أحمد: لأنك لو ابتدأت بالفعل في التقدير لما كان الاسم مبتدأ به، فيفوت الغرض من التبرك باسم الله تعالى أول نطقك، وأما إفادة التقديم الاختصاص ففيه نظر سيأتي إن شاء الله تعالى.

Página 29

قال محمود (فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله تعالى بالقراءة الخ) قال أحمد: وفى قوله إن اسم الله هو الذي صير فعله معتبر شرعا حيد عن الحق المعتقد لأهل السنة في قاعدتين: إحداهما أن الاسم هو المسمى، والأخرى أن فعل العبد موجود بقدرة الله تعالى لاغير. فعلى هذا تكون الاستعانة باسم الله معناها اعتراف العبد في أول فعله بإنه جار على يديه وهو محل له لاغير، وأما وجود الفعل فيه فبالله تعالى أي بقدرته تسليما لله في أول كل فعل والزمخشري رحمه الله لا يستطيع هذا التحقيق لاتباعه الهوى في مخالفة القاعدتين المذكورتين فيعتقد أن اسم الله تعالى الذي هو التسمية معتبر في شرعية الفعل لا في وجوده، إذ وجوده على زعمه بقدرة العبد فعلى ذلك بنى كلامه. أقول: دعواه أن عند أهل السنة الاسم غير المسمى ممنوعة، وتحقيقه قد ذكر في غير هذا الكتاب.

Página 31

قال محمود (وفى الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم الخ) قال أحمد: لا يتم الاستدلال بقصر البناء وطوله على نقصان المبالغة وتمامها، ألا ترى بعض صيغ المبالغة كفعل أحد الأمثلة أقصر من فاعل الذي لا مبالغة فيه البتة، وأما قولهم رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا فلا دلالة فيه أيضا على مبالغة رحمن بالنسبة إلى رحيم، فإن حاصله أن الرحمة منه بالدلالة على إتمامها، ألا ترى أن ضارب لما كان أعم من ضراب كان ضراب أبلغ منه لخصوصه، فلا يلزم إذا من خصوص رحيم أن يكون أقصر مبالغة من رحمن لعمومه.

Página 41

قال محمود رحمه الله تعالى (فإن قلت: كيف تقول الله رحمن أتصرفه أم لا الخ) قال أحمد: ليت شعري بعد امتناع فعلانة وفعلى ما الذي عين قياسه على عطشان دون ندمان، مع أن قياسه على ندمان معتضد بالأصل في الأسماء وهو الصرف. أقول: الذي عينه هو أن باب سكران وعطشان أكثر من باب ندمان، وإذا احتمل أن يكون من كل واحد منهما فحمله على ما هو الأكثر أولى، ولأن رحمن وعطشان مشتركان في عدم وجود فعلانة بخلاف ندمان، فلهذا كان حمله على عطشان أولى، ثم قال: وقد نقل غيره خلافا في صرف رحمن مجردا من

Página 42

التعريف، وبناه على تعيين العلة في منع صرف عطشان، هل هي وجود فعلى فيصرف رحمن، أو امتناع فعلانة فيمتنع الصرف وهو أيضا نظر قاصر، وأتم منهما أن يقال امتنع صرف عطشان وفقا، وامتناع صرفه معلل بشبه زيادتيه بألفي التأنيث، والشبه دائر على وجود فعلى وامتناع فعلانة، فإما أن يجعل الأمر آن وصفى شبه بهما مجموعهما مستقل، أو كل واحد منهما مستقلا ببيان الشبه، أو أحدهما دون الآخر على البدل، فهذه أربع احتمالات. فإن كان مقتضى الشبه المجموع أو وجود فعلى خاصة انصرف رحمن، وإن كان كل واحد من الأمرين مستقلا أو الشبه بامتناع فعلانة خاصة منع رحمن من الصرف، فلم يبق إلا تعيين ما به حصل الشبه في عطشان بين زيادتيه وبين ألفى التأنيث من الاحتمالات الأربعة، وعليه يبتنى الصرف وعدمه. والتحقيق أن كل واحد من الأمرين المذكورين مستقل باقتضاء الشبه، فيمتنع صرف رحمن لوجود إحدى العلتين المتعلقتين في الشبه، وهى امتناع فعلانة على هذا التقدير. وإنما قلنا ذلك لأن امتناع فعلانة فيه حاصله امتناع دخول تاء التأنيث على زيادتيه كامتناع دخولها على ألفى التأنيث، فحصل الشبه بهذا الوجه. ووجود فعلى يحقق أن مذكره مختص ببناء ومؤنثه مختص ببناء آخر، فيشبه أفعل وفعلى في اختصاص كل واحد منهما ببناء غير الآخر، فهذا وجه آخر من الشبه، ومن تأمل كلام سيبويه فهم منه ما قررته، فإن قيل: حاصل ذلك ناسبة كل واحد من الأمرين المذكورين لاقتضاء الشبه، فما الذي دل على استقلال كل واحد منهما علة في الشبه وهلا كان المجموع علة وحينئذ ينصرف رحمن وهو أحد الاحتمالات الأربعة المتقدمة؟ قلت: امتناع صرف عمران العلم يدل على استقلال كل واحد من الأمرين بالشبه المانع من الصرف، إذ عمران علما لا فعلى له، وهو غير منصرف وفاقا. أقول: قد عثر ههنا رحمه الله، وإن الجواد قد يعثر لأن اعتبار وجود فعلى أو انتفاء فعلانة إنما كان في الصفة، أما في الاسم فشرطه العلمية لا وجود فعلى ولا انتفاء فعلانة.

Página 43

قال محمود رحمه الله (فإن قلت: ما معنى وصف الله بالرحمة الخ) قال أحمد رحمه الله: فالرحمة على هذا من صفات الأفعال، ولك أن تفسرها بإرادة الخير فيرجع إلى صفات الذات، وكلا الأمرين قال به الأشعرية في الرحمة وأمثالها مما لا يصح إطلاقه باعتبار حقيقته اللغوية على الله تعالى، فمنهم من صرفه إل صفة الذات، ومنهم من صرفه إلى الفعل.

Página 44

قال محمود رحمه الله (فإن قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه الخ) قال أحمد رحمه الله:

إنما كان القياس تقديم أدنى الوصفين، لأن في تقديم أعلاهما ثم الإرداف بأدناهما نوعا من التكرار، إذ يلزم من حصول الأبلغ حصول الأدنى، فذكره بعده غير مفيد، ولا كذلك العكس فإنه ترق من الأدنى إلى مزيد بمزية الأعلى لم يتقدم ما يستلزمه، ولذلك كان هذا الترتيب خاصا بالإثبات. وأما النفي فعلى عكسه تقدم فيه الأعلى، تقول:

ما فلان نحريرا ولا عالما، ولو عكست لوقعت في التكرار، إذ يلزم من نفى الأدنى عنه نفس الأعلى، وكل ذلك مستمدة في عموم الأدنى وخصوص الأبلغ، وإثبات الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ونفى الأعم يستلزم نفى الأخص.

Página 45