Tus búsquedas recientes aparecerán aquí
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
ومن المعلوم الذي لا شك فيه لعاقل أن المشركين ما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاصمونه أو يخالفونه في التمكن والاختيار فيقولون إنهم متمكنون مما طولبوا به من الإيمان وهو صلى الله عليه وآله وسلم [526] يقول لا تمكن لهم ولا اختيار ولا يتأتى أن يكون عليه السلام مخاصما ولا مخالفا لهم في هذا أصلا وإلا كان مبطلا لحجته عليهم بالكلية ومقيما لمعذرتهم التي لا وراءها ولا أعظم منها في جميع المعاذير، وبهذا يعلم أن قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}، وقوله في الآية الأخرى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} إلجام لهم عن مدافعة حجة الله وحجة نبيه عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وأن معنى الأولى أنهم لا يشاءون الاستقامة من عند أنفسهم وباختيارهم بل إنما يكون منهم على وجه الجبر والإلجاء المبطل للتكليف في الحقيقة، ومعنى الأخرى أن الذي هو مخلوق لله تعالى فهو بقدر منه لا ما هو من أعمالهم الاختيارية، فالحجة عليهم قائمة والأمر ظاهر لمن تدبر واستتر، والله ولي الهداية والتوفيق لا رب غيره سبحانه وتعالى.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلك أن تقول أيضا: إن قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} بالمثناة الفوقانية بيان لما العباد عليه من الميل إلى الشر والإعراض عن الخير كما يؤيده: {قتل الإنسان ما أكفره} وأن مشيتهم لاتخاذ السبيل إلى الله أمر غير سهل على الطباع البشرية إلا أن يشاء الله فيفعل ما هو أهله من الأمور الزائدة على التمكين لمن يعلم أنه ينجع فيه اللطف ولهذا تتمة ستأتي في موضع آخر.
Página 1113