907

ثم نقول: أن فيها اعترافا ببطلان ما زعمتم من أنكم مفارقون للجهمية بإثبات القدرة والإرادة والتمكن للعبد، واعترافا أيضا بأنه لايتم التمكن من الفعل لمن لا يتمكن من إيجاده؛ لأنكم أخذتم الإيجاد في تقرير هذه الشبهة كما لايخفى، ثم أنها لو فرضنا تمامها فلا تدل على مدعاكم في أن الله تعالى يخلق أفعال العباد وإنما غايتها الدلالة بزعمكم على نفي تمكنهم، وأين هذا من ذاك؟ وبالجملة فهذه الشبهة أحث شبهة العلم والحمد لله رب العالمين، هذا والمعترض كأنه اطلع على ما قاله أصحابه في فساد شبهة العلم وعلم أنهم مصرحون فضلا عن غيرهم بأن العلم تابع لا متبوع، فلا أثر له في المعلوم وجودا ولاعدما، ولا وجوبا ولا امتناعا إذ لم يمكنهم إنكار ذلك وقد قام عليه دلي العقل [486]والنقل، أما العقل فظاهر، وأما النقل فلأن كلام الله تعالى قد أشار إلى العلم تابع للمعلوم في مواضع منها ما في سورة يونس، وذلك قوله تعالى: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} ومنها ما في سورة الرعد وذلك قوله تعالى: {قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} ومنها ما في سورة المؤمن وذلك قوله تعالى: {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} فإن هذه الآيات وأمثالها مشيرة إلى أن العلم تابع للمعلوم كما يعلم بأدنى تأمل، ولم يكنر أحد أن العلم لايكون بغير معلوم فالمعلوم أصل لثبوت العلم، فحاول أي المعترض التقصي عن هذا التصحيح الجبر بما حاصله مصادرة على المطلوب في كلمات غثة، وترويحات رثة، لا تروج إلا عند من قلبه مقلوب، فانظر كلامه نظر منصف ذي توفيق غير مسلوب.

Página 1030