Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
أقول: هذه شبهة العلم التي ظهر عند الموالف والمخالف بطلان التمسك بها في إثبات الجبر فضلا عن إثبات نفي تأثير قدرة العبد بالكلية كما سيصرح به المعترض نفسه فإنه فيما سيجيء استدل بشبهة العلم على نفي تأثير لاعبد في شيء من أفعاله مع أن كل أحد يعلم أن العلم بمعزل عن التأثير في شيء وعن المنع من التأثير في شيء؛ ولكن الذين يبغونها عوجا يحرفون الكلم عن مواضعه أقرب ما تقرع به مسامع أمثال المعترض في هذا المقام معارضة لا يعترضها أحد من ذوي الأفهام، فنقول أن الله تعالى كما علم صدور الفعل فكذلك قد علم صدوره بقدرة العبد واختياره فلو لم يكن العبد قادرا مختارا في صدوره لزم انقلاب العلم جهلا، فانظر يا أخا الأكراد كيف انعكس دليلك عليك ورجع سهمك إليك، وكفى الله المؤمنين القتال، والحمد لله على كل حال، ثم نقول لا يخلوا[480]إما أن يكون مجرد العلم كافيا في وقوع الفعل أو لا يكون كافيا، وإنما يكون وقوعه بقدرة وإرادة إن كان الأول لزم انقلاب العلم قدرة؛ لأن المؤثر في الوقوع إنما هو القدرة لا العلم، فإذا أثر العلم فهو قدرة وليس علما، وهذا هو الإنقلاب المحال، وإن كان الثاني فإما أن يكون للعلم مدخل في التأثير والوقوع أولا مدخل له لاسبيل إلى الأول للزوم ما تقدم أيضا؛ ولأنه لو كان له مدخل لم يبق القادر المختار قادرا مختارا أعم من الباري تعالى والعبد؛ لأنه لا معنى للقادر إلا من يقع منه الفعل عند داعيته وإرادته من دون توقف على شيء آخر فإن حصل التوقف على شيء آخر غير الداعية والإرادة كان ذلك قد جاء في القادرية؛ لكن المعترض وأصحابه الأشاعرة يزعمون أن العبد عندهم قادر مختار، وأنه بهذا فارقوا الجهمية والخلص من الجبرية المكابرين للضرورة العقلية والشرعية، فالقول بأن للعلم دخلا في التأثير والإيقاع للفعل يستلزم التجهم والجبر الخلاص المستلزم سقوط التكاليف وبطلان الشرائع، هذا وكأنه لما علم أن ذلك الدست الذي جاء به في التشبث بقوله تعالى والله خلقكم وما تعملون غير تام، وتفطن لكونه دستا مخروقا لايتفق عند ذوي الأفهام جاء بهذه الشبهة التي قد حفت بها الأقلام وصدرها بقوله قد اعترف صاحب الكشاف في غير ما موضع ولم يلتفت إلى أن صاحب الكشاف قد جسم طمعه وطمع أمثاله في التعلق بالعلم في غير ما موضع أيضا منها ما ذكره في سورة القصص من تفسير ما حكاه الله عزوجل عن فرعون من قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} وذلك أنه قال مانصه: فصد بنفي علمه بإله غيره نفى وجوده، ومعناه مالكم من إله غيري كما قال الله تعالى: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} معناه بما ليس فيهن؛ وذلك لأن العلم تابع للمعلوم ولا يتعلق به إلا على ما هو عليه، فإذا كان الشيء معدوما لم يتعلق به موجودا إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى، فهذا منه تنبيه لأمثال المعترض بأنه ليس في أيديهم من التشبث بشبهة العلم إلا التراب وأن ركونهم إليها ركون الضمآن إلى ...........وكيف لا وفرعون على هذا قد غفل أن العلم تابع لا متبوع فهو أجمل حالا من المعترض الذي مؤدي كلامه تعكيس المفهوم وتنكيس الموضوع، ولننقل شيئا من كلام أهل مذهبه فنقول قال سعد الله الدين في شرح العقائد النسفية ما نصه: فإن قيل بعد تعميم الله تعالى وإرادته الجبر لازم قطعا ؛ لأنها إما أ، يتعلقها بوجود الفعل فيجب أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والإمتناع.
قلنا: يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره فلا إشكال، فإن قيل: للإختيار لا مناف له وأيضا منقوص بأفعال الباري تعالى . انتهى.
وقال السمرقندي في الصحائف ما نصه: الرابع أي من الجوه التي احتجوا بها ما علم الله وقووعه فهو واجب، وما علم منه فهو ممتنع لامتناع الجهل، والممتنع مقدور والجواب [481]أن العلم وعدمه تابع لهما، فلا يكون مؤثرا فيهما، وايضا ذلك منقوص بقدرة الله تعالى. انتهى.
وقال نجم الدين في أوئل المحصل: ردا لاحتجاج الإمام الرازي على وقوع التكليف بما لايطاق ما لفظه: قوله أنه واقع؛ لأن الله إن علم وقوعه وجب ...إلخ.
Página 1020