Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
ثم قال المعترض: لأن لهم أن يتولوا إنما نعبد هذا الموصوف بأمر لم يخلقه الله وما هو موصوف بما لم يخلق الله تعالى لم لا يجوز أن يكون قادرا على نفع عائدة وضر غير عائدة من دون الله تعالى، كما أنا لما كنا موصوفين بما لم يخلقه الله فينا من أفعالنا الإختيارية كنا قادرين على خلق ما نشاه ونختاره إلى أن قال: وفساد قياسهم لا يوجب الإستغنا عن حجة أخرى، أولا ترى أن سيدنا إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء الكرام وعلى آلهم وأصحابهم الأعلام لما احتج على الذيب حاجه في ربه فقال: {ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت} ما استغنى عن إقامة حجة أخرى مع فساد قوله، بل انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء إلى أن قال: وأما قوله وشيء آخر ...إلخ، فعلى تقدير تسليم أن قوله ما تعملون ترجمة عن قوله ما تنحتون، وتسليمهم أن ما في قوله ما تنحتون موصولة بلا مقال لا يضرنا كون ما موصولة ومبينة بقولنا من الأصنام لما اعترف به أن ما عملوها هي الأشكال، وقد وقع خلقه على ما عملوها، فيرجع المعنى ضرورة إلى قولنا والله خلقكم وخلق ما تعملونه من الأشكال وهو في معنى والله خلقكم وخلق الأشكال، ولاشك أن الأشكال التي عملوها أثر تشكيلهم بالضرورة فلا يمكن أن تكون مخلوقة له تعالى إلا بأن يكون التشكيل الذي هو عملهم مخلوقا له تعالى، إذ لو أمكن أن تكون تلك الأشكال مخلوقة لله تعالى من غير أن يكون التشكيل مخلوقا له لزم أن لا يكون الأشكال أثر تشكيلهم بل أثرا لخلقه تعالى بلا واسطة فعلهم؛ لكنها أثر تشكيلهم بالإتفاق، وبلا ضرورة فلابد أن يكون التشكيل مخلوقا له تعالى حتى يصح إيقاع خلقه على ما يعملونه من الأشكال، فإذا لزم ذلك رجع معنى الكلام على تقدير الموصولة إلى معناه على تقدير المصدرية لا محالة، ولا تقوم حجة عليهم إلا إذا رجع المعنى إلى ما هو مؤدي الكلام على تقدير المصدرية كما بيناه غير مرة وهو المطلوب، وما هذا التوفيق فقد ...........عند المنصف المتعسف، والمتعصب لمذهبه من هؤلاء ننكر فضله أي فضل صاحب الكشاف في غير المذهب فإنه كما قال له نظر في البيان، وله تبصر في غير ما يتعلق بالمذهب لنظم القرآن والله {يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}، {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}.
أقول: هكذا تخريف المعترض لكلام جار الله {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}، {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}.
أما قوله: فقد اكتفى في الرد ...إلخ ، فغفله .........وجهل لما أرداه جار الله رحمه الله تعالى من أن الآية جاءت لتقبيح حالهم الشنيع ونفي جهلهم وضلالهم الفضيع من حيث أنهم جعلوا المخلوق معبودهم دون الخالق، بل جعلوا معبودهم لهم الذي أحدثوا نحته بأيديهم، وأثروا ما أثر فيه من حذف بعض أجزائه، وتصرفوا فيه كما أرادوا من [463]القطع والعمل والتأثير لتحصيل صورته وتسوية شكله على الوجه الذي يريدون والأشكال، ولاشك أن هذا المعنى مما يفوق بالكلية على تقدير إضاة التأثير في النحت والعمل إلى الله تعالى بل لا يصير الكلام طباق ولا إلتآم إذ يصير المعنى كيف تعبدون ما تنحتون لكنكم إنما تعبدون ما نحته الله وأثر فيه الأشكال، كما أنه تعالى هو الذي خلقكم وخلق كل ما يجري منكم من هذه العبادة والتحرفة والضلال، وهذا هو ما أشار إليه جار الله رحمه الله تعالى، فما اكتفى إلا بكاف واف بالمطلوب شاف لكثير من أمراض القلوب، وما عليه إذا لم تفهم البقر، ولا يلزمه أن يذود المجبرة عن سقر.
Página 985