837

قال: وتوضيح ذلك أنه لا يستحق العبادة إلا النافع الضار؛ لأن العبادة هي الطاعة والإنقياد، وما لايرجى نفعه ولاخشى ضره لايستحق أن يطاع وينقاد له وهو ظاهر، ولا يكون [441] نافعا ولا ضارا على الإطلاق إلا القادر على كل شيء؛ لأن شمن يقدر على شيء دون شيء لا يستحق للعبادة من جميع المخلوقات، لجواز أن يكون بعض المخلوقات نفعه في بعض هذه الأشياء التي لايقدر هو عليها، وضره من بعضها الآخر، فإذالم يقدر على إيصال النافع إليه ودفع الضار عنه لم يستحق العبادة له وهو ظاهر أيضا، فنقول: إذا تميزت الأصنام بشيء لم يكن مخلوقا لله تعالى، بل لم يكن مقدورا له عند المعتزلة؛ لأنه مقدور قادر آخر، وهو من جملة المحال، والمحال ليس بمقدوره اتفاقا اتجه عند الوهم أن تكون الأصنام نافعة ضارة من دون الله تعالى، فإذا قيل لهم اتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وخلق جواهر الأصنام التي تعملونها بخلقكم؟ كان لهم أن يقولوا: نحن لا نعبد ما هو مخلوق لله خاصة، وإنما نعبد المخلوق الموصوف بما ليس من مخلوقاته ومقدوراته، وكل ما كان كذلك جاز أن يكون نافعا ضارا من دونه، وكل ما كان كذلك استحق أن يعبد، لم يقم الكلام حينئذ حجة عليهم كما ترى، فإذا قال يا هؤلاء ما حصل هذه الصفة إلا من خلقكم، وخلقكم ما جاء إلا من قدرتكم، وقدرتكم ماحصلت لكم إلا بخلق الله تعالى، فرجع الأمر إليه، فلا يستحق أن يعبد إلا هو، فإن تم له هذا كان الحجة هو هذا الكلام، لا قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} والنزاع فيه بلا شبهة، فأما إذا كان المعنى والله خلقكم وخلق عملكم قام حجة عليهم قياما راسخا؛ وذلك لأنه لما كان هذه الأشكال التي تميزت بالأصنام من بين سائر الأجسام إنما حصل لها بتشكيلهم الذي هو من عملهم، فإذا قيل لهم اتعبدون ما تنحتون توهما منكم أنا تستحق العبودية لها بما تمزيت به من بين سائر الأجسام والله خلقكم وخلق عملكم الذي من جملته تشكيلكم المترتب عليه أشكالها التي بسببها أضلتكم أوهامكم، والحال أنها ما اتصفت بهذه الأشكال إلا بخلقه تعالى إياها فيها بعين تشكيلكم الذي هو بخلقه، فأنى يتصور منها النفع والضر الداعي إلى استحقاقها العبودية من دون الله تعالى، وليس لها شيء من ذاتها وصفاتها إلا من الله تعالى، وما كان ذاته وصفاته وكل شيء هو من الله تعالى أنى يستحق أن يعبد من دونه؟ فبماذا تعبدونها من دون الله تعالى {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم(66)أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} كان الكلام حجة عليهم قاطعة آخذة مخانقهم، ملقمة إياهم الحجر لمن بعين الإنصاف نظر واستبصر.

أقول: قد بان بحمد الله وظهر من هو بعين الإنصاف نظر فاستبصر، ونم هو الذي ألجته عبادة الهوى والتعصب التام إلى ما يؤدي إلى الإعتذار لعباد الأصنام، وهكذا تطريح الأهواء بالدين، وتخويف التعصب للكلام، والأمركما قاله أبو تمام:

Página 942