643

وأما المعتزلة فقد اقتصروا على محل [333] النزاع وتركوا العنى والظنى للأفئدة والأسماع، وأنا لا أعجب إلا من بعض المتأخرين من أصحابنا المصنفين المنصفين، كيف غفلوا عن الحق المبين، ونقلوا هذه المسألة برمتها من كتب الملبسين فوقعوا في ما لا حاجة إليه، ووضعوا ما لا يعتمد عليه، فلم يسلموا من التقبيح ولم يلموا بالتحسين والأمر في ذلك أوضح من أن تحقق بالعبارات وتنمط بالإشارات، ولقد أجاد ابن أبي الحديد حيث قال: إن تكلف الاستدلال على أن الشمس مضيئة متعب، وصاحبه منسوب إلى السفه وليس جاحد الأمور المعلومة علما ضروريا لأشد سفها ممن رام الاستدلال عليها بالأدلة النظرية، انتهى.

ولعمري أن ما نحن فيه قريب من هذا الباب، أو هو هو لعينه عند بعض ذوي الألباب، ومحل النزاغ ليس إلا أن الأفعال في نفس الأمر مع عدم الالتفات إلى الشرع هل لها حقائق ثابتة تستاهل الاثبات والمراعاة على الحقائق المقابلة لها، وتستتبع التعظيم بشأن المتخلي بها، وحقائق أخر ثابتة كذلك تقابل تلك الحقائق في أنها تستاهل التجنب والعدول منها، وتستتبع الحط من شأن المتصف من حيث كونه متصفا بها، فالأولى والعدل، والانصاف، والصدق، وإرشاد الضال.

والآخرى هي: كالجور، والظلم والكذب، وإغواء السالك في الطريق، هذا ما وقع في بين الفريقين، وإذا أنصفت أذعنت بأنه لا دخل للثواب والعقاب في هذا الباب، واعترفت بأن من نفى هذه الحقائق فإن لم يكن دخل في زمرة نفاة الحقائق فلا أقل من أن يكون جاحدا للضرورة، فإن لم يكن جاحدا لله ضرورة فمن هو جاحد الضرورة، واعترفت بأنهم إنما اختلفوا في أن العقل هل يدرك الفرق بين الحسن والقبح فيما يستقبل بإدراكه كالفرق بين الصدق والكذب، والعدل، والجور، والإحسان، والإساءة، والحكمة والعبث.

Página 715