600

وقولهم: مستغن في فاعليته عن الآلات الجسمانية مناد بما ذكرناه؛ لأن النفس الناطقة وأن كانت تسمى بالعقل عندهم لكنها ليست مستغنية عن الآلات الجسمانية بل هي مفتقرة إليها لكونها على هو التحقيق لهم، هي المدركة للجزئيات كالكليات مع تجردها وارتسام المادي في المجرد، ومحال عندهم فلا بد من الآلة ولا غنية للنفس عنها، ومن هنا كان تعريف العلم عندهم بأنه الصورة الحاصلة عند العقل أرجح من تعرفيه بأنه الصورة الحاصلة في العقل؛ لأن حصول الجزئي المادي في المجرد عن المادة وهو النفس محال عندهم، فالنفس جوهر مجرد غير مستغن في فاعليته عن الآلات الجسمانية وتوضيحه يخرجنا عن المراد هنا، وإنما الغرض بيان أن قولهم: مستغن في فاعليته... إلخ فضل تخرج به النفس بناء على أن المذكور رسم للعقل المجرد لا حد له، فإن الحدود إنما تكون بالجنس والعقل والفصل، وذلك مستحيل في البسائط التي ليست جزءا من ما ماهية أخرى كالعقول والنفوس، ولذا قال الرازي في المحصل: البسيط الذي لا يتركب عنه غيره لا يعرف ولا يعرف به، انتهى، أي تعريفا جزئيا لا رسميا كما ذكرناه فجائز، والمراد أن كلام الفلاسفة في تعريف العقول المذكورة بمحاذاة النفس الناطقة، ما ذاك إلا لأنها تسمى بالعقل كما يصرحون به، فالفصل المذكور لاخراجها عن العقول العشرة، وهي عقل عندهم وهو مناط التكليف عند ذلك القائل، وفي التعريفات ما نصه العقل جوهر مجرد عن المادة في إزالة مقارن لها في فصله، وهو النفس الناطقة التي يشير إليها كل واحد لقوله، انتهى فما ذكره المعترض حجة عليه لا له، وإنما هو من قبيل {يخربون بيوتهم بأيديهم}، ثم قد عرفت أن [312] الفلاسفة يطلقون العقل على كل قوة من قوى النفس، كما تقدم، ولا شك أن المدرك هي النفس لكن تدرك بعض المدركات بواسطة تلك الآلات، فصح تسمية كل من تلك إلا القوى بالعقل مجازا، وإلا فليس العقل حقيقة إلا النفس، وهي المدرك.

ألا ترى أن الحكيم إفلاطوخس قال في حقيقة النفس: أنها هي النار السارية في البدن، وذلك؛ لأن خاصية النار الاشراق، وخاصية النفس الإدراك، والإدراك إشراق على ما حكاه السمرقندي في الصحائف والمعارف، قال: ويؤديه قول الأطباء: إن مدبر البدن هي الحرارة التغريزية انتهى.

قلت: بل هو فاسد؛ لأن مبناه على أن كل نار خاصيتها إشراق، والكلية الموجبة لا تنعكس كنفسها، فلا يلزم أن كل ما خاصيته الإشراق فهو نار كما لا يخفى.

وقول الأطباء: إن مدبر البدن هي الحرارة الغريزية ليس المراد به التدبير العام لما هو داخل البدن، وما هو خارج عنه، كما يكون ذلك في تدبير العقل، بل المراد أنه ينفعل عن الحرارة كيفيات يصلح بها الكيموس، وكيتقسم حال البدن، فاطلقوا عليه التدبير مجازا.

الرابعة: أن قوله: والعقل الذي هو مناط التكليف من قوى النفس لو صح كما توهمه، لم يثبت إلا أنها مرتبة للقوة لا نفس القوة كما عرفت آنفا على أن القوى ومراتبها ليست عندهم إلا كالسكين للقاطع، ولذا سميت بالآلات.

Página 668