Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
أقول: قد حمد الله على القول بتكليف المحال وعلى ما أبداه من السفسطة التي ظن أنها [243] التي استشعر العقل استلزامها لقبحه غير مستلزمة له في تحقيق النظر وذلك كخلق التكليف مع العلم بأنه لا يكون منه إلا الكفر وسار ما يجري هذا المجرى، فإن العقل ... يستشعر قبحه في النظرة الأولى التي هي النظرة الحمقى، ولو عاد النظر لعلم أنه قد يحسن لوجه غير ظاهر وأن الاستلزام أي استلزام الواسطة بقبحه غير ثابت، ألا ترى أن خلق الكافر لا يبستلزم أنه يكفر؛ لأنه ما خلقه تعالى كافرا من أول الأمر، بل خلقه متمكنا قادرا مختارا كما قال تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره} فإذا كان قد خلقه تعالى كذلك أي متمكنا قادرا مريدا فلا استلزام، فكيف إذا نظرت إلى أنه تعالى قد يسر السبيل مع هذا التمكين والاختيار فإنه يظهر عدم الاستلزام الذي استشعره العقل في النظرة الحمقى بدون إعادة النظر الصحيح، وبهذا يظهر فساد ما يقال أن أمر إبليس بالسجود لآدم عليه السلام وتكليفه بذلك مع العلم الذي لا يتخلف بأنه لا يكون منه إلا الإيباء والاستكبار عن السجود ليس تعرضيا إلا لتكبر أي الإباء والاستكبار لا أنه تعريض للخير والزلفى والثواب كما يقوله المعتزلة في سائر .. وإنما قلنا: أنه يظهر فساده؛ لأنا أشرنا إلى أن مثل هذا الأمر والتكليف لإبليس مع العلم المذكور ليس مبتوت القضية، بل جاز أن يكون له وجه حسن خفي مع أنا لا نسلم أنه يكون تعريضا للإيباءبل نقول: أنه تعرض للزلفى؛ لأن مدار شبهة الخصم في هذا على العلم الذي لا يتخلف ، ونحن نعلم أنه لا دخل للعلم في كون الأمر تعريضا للإيباء لا لزلفى؛ لأنه تابع لا متبوع، ونقول: والله تعالى قد علم أنه يعرض إبليس للزفلى والثواب ولا يقع منه إلا الإباء والاستكبار ومعلوم أن العلم لا ينقلب فلا يتخلف التعريض عن كونه للزلفى إلى كونه للإباء والاستكبار، وإلا لزام تخلف العلم، والخصم يقول: أن العلم بأنه لا يكون منه إلا الإباء يستلزم أن يكون الأمر له بالسجود تعريضا له أي الإباء، وحينئذ فما صار الأمر تعريضا للإباء إلا بسبب العلم، لكنه أي العلم لا يتعلق بالشيء لا على حد ما سيقع في الخارج مثلا فلو تعلق العلم بأن الأمر يكون تعريضا للإباء لا للزلفى لزم الدور المحال، لا يقال: أن العلم الذي لزم منه كون الأمر تعريضا للإباء هو العلم بأنه يأبى ويستكبر لا العلم بأنه يكون الأمر تعريضا للإباء حتى يلزم الدور؛ لأنا نقول: أن العلم بأنه لا يكون منه إلا الإباء، إما أن تقولوا: أنه سبب للإباء كما هو ظاهر كلامكم ومذهبكم أو لا، إن كان الثاني فالأمر ظاهر إذ لا يلزم من ثبوت العلم بالإباء ثبوت الإباء، وأنتم لا تقولون بذلك، وإن كان لأول لزم أنه كلما سبق العلم بالإباء وقع الإباء البتة، وكلما كان كذلك كان الأمر تعريضا للإباء لا محالة؛ لأن ما بقي للتعريض لتعريض لغير الإباء محال، وكل ما كان كذلك ... إلا كذلك أي أن تعلقه تابع له بالنظر إلى ما سيقع ويحصل في الواقع، فإن كان وقوعه كذلك بسبب هذا العلم فالدور ظاهر، وإن كان بسبب العلم بأن الإباء سيقع فلا يكون العلم بأن الإباء سيقع إلا إذا كان كذلك في نفسه لا بالنظر إلى العلم، فالقول: بأن العلم يستلزم وقوعه ذهاب إلى تعكيس التبعية، وجعل للتابع متبوعا وهو مستلزم للدور أيضا فالدور المحال لازم على تقدير، وهذا .... ذو وإلا فمقام مثل هذا سيجيء إن شاء الله تعالى، والمراد أن أفعال الباري تعالى وأوامره ونواهيه ... لا يستلزم شيئا من القبح إلا عند أهل النظر المقلوب وأنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يغفل........ مبتوتة، ولذ قال سبحانه: {إن الله لا يأمر بالفحشاء}. وقال: {وينهى عن الفحشاء}، وقال: {ولا يرضى لعباده الكفر}، وقال: {والله لا يحب الفساد} إلى غير ذلك مما يستوعب التعداد...... هذا الذي جهله أكثر الخائضين في مذهب المعتزلة مع اضطرارهم إلى التفريق بين الكذب وخلق الكذب في العبد، وهذا مما لا ينكره الأشاعرة إذا خلوا عن مواضع الجدل أعني الفرق بين مبتوت القضية وما كان يجوز له وجه في الحكمة، وإنما لاذوا بصفة النقص في الكذب إذ قالوا: لا يجوز الكذب عليه تعالى؛ لأنه صفة نقص وأنه يمتنع عليه صفة النقص؛ لأنه لا يمكنهم إنكار .. القبح في الكذب، وأن قضيته مبتوتة بخلاف خلق الكذب، فانكروا قبحه بناء على ... وهو أنه ليس الكاذب أوجد الكذب وإنما هو من قام به وكان محلا له فعرف ..... هذا اعترافهم بظهور القبيح في بعض الأشياء دون بعض وهو المطلوب.
Página 512