Tus búsquedas recientes aparecerán aquí
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما ثانيا فلأن صدق قوله تعالى: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} يستلزم أن يكون مختارا في فعله الذي نشأت عنه السيئة بل يستلزم أن يكون هو المؤثر فيه دون الباري تعالى وإلا لما صدق قوله: {فمن نفسك}، وإذا كان العبد مختارا بل مؤثرا في فعله استحال أن يكون الباري تعالى معذبا له على ما لا أثر له فيه ولا اختيارا فلا يكون تعالى ظالما بعذابه قطعا واستحال أيضا أن يجب على العبد أن يعلم ما أصابه من أفعال نفسه لم يكن ليخطيه لأنه لو علم هذا لعلم أنها ليست أفعالا له بل أفعال الله تعالى، وإذا كانت أفعالا لله تعالى لم يصدق قوله تعالى: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ويلزم الظلم ويلزم الكذب في هذه الآية وأمثالها.
وإذا شئنا بسط الكلام في هذا المقام قلنا للمعترض وأمثاله: بماذا تفسرون السيئة والحسنة في هذه الآية أي قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله...}الآية، فإما أن تفسروهما بالطاعة والمعصية أو بأفعال الله تعالى التي لا دخل للعباد فيها لا تأثيرا ولا كسبا، وعلى كلا التقديرين يلزمكم الاعتراف بأن هذا الحديث الذي أوردتموه هنا لا يجديكم نفعا.
أما على التقدير الأول فلأن هذه الآية قد أضافت السيئة التي هي المعصية على هذا التقدير إلى العبد ولا معنى للقول بأنها إنما أضيفت إليه لكونها وقعت تعديا عن الحد الشرعي لأنه لو كان كذلك لوجب أيضا أن تضاف إليه الحسنة لكونه توقفا على الحد الشرعي فدل ذلك على أن الذي أضيف إليه هو إيجادها والتأثير في وقوعها وحصولها وكلما كان كذلك فلا يجب عليه العلم بأنه أصابته ولم يكن لتخطيه بل يجب عليه العلم بأنه أصابها وتعمدها واقترفها باختياره عكس ما في الحديث الذي أوردتموه وهذا التقدير مرجوح عند من عرف سياق الآية، لكنا أوردناه لحسم داء المجبرة لأنهم يغالطون بلفظ الإصابة والخطأ ولا يعقلون أنه مختص بأفعال الله تعالى كالقدر.
Página 1134