Ictisam
الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع
Editorial
دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
Ubicación del editor
المملكة العربية السعودية
Regiones
•España
Imperios y Eras
Nasaríes o Banū al-Aḥmar (Granada)
رسائل جامعية (٦٧)
ـ[الاعْتِصَام]ـ
المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: ٧٩٠هـ)
تحقيق ودراسة:
الجزء الأول: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير
الجزء الثاني: د سعد بن عبد الله آل حميد
الجزء الثالث: د هشام بن إسماعيل الصيني
الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
Página desconocida
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أصل هذا الكتاب رسالة جامعية مقدمة من الطالب محمد بن عبد الرحمن الشقير حصل بها على درجة الماجستير بتقدير ممتاز وذلك في عام ١٤١٤ هـ
مقدمة / 2
الاعتصام
مقدمة / 3
حقوق الطبع محفوظة لدار ابن الجوزي
الطبعة الأولى
محرم ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٩ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
مقدمة / 4
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد: فقد حذر الله ﷿ من التفرق والاختلاف بعد الائتلاف، فقال ﷾: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال ﷾: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ [يونس: ١٩].
وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩].
وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١، ٣٢].
وذكر الله ﷿ اختلاف بني إسرائيل في التوراة، فقال سبحانه
مقدمة / 5
وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾ [هود: ١١٠].
والاختلاف واقع في هذه الأمة أكثر من غيرها من الأمم.
فعن عوف بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار". قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "الجماعة" (١).
وقد أمرنا الله ﷿ أن نعتصم بحبله جميعًا ولا نتفرق، فقال ﷾: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبيَّن قبل ذلك أن مفتاح الاعتصام وعدم الفرقة هو تقوى الله حق تقاته، فأمر به قبل الأمر بالاعتصام، فقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
والذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ليسوا من الذين اتقوا الله حق تقاته، بل هم من الذين اتبعوا أهواءهم، وامتلأت قلوبهم بالبغي والحسد والكبر والهوى وغير ذلك مما ينافي تقوى الله.
وقد بيَّن الله ﷿ هؤلاء في مواطن من كتابه، وبين السبب الذي لأجله اختلفوا وتفرقوا، فقال تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣].
(١) انظر تخريجه في النص المحقق (ص ١٥).
مقدمة / 6
فبين ﷾ أن الناس كانوا أمة واحدة، فاختلفوا، وأن سبب الاختلاف بينهم هو البغي والظلم.
وقال ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].
وبيَّن ﷾ أن من أسباب البغي والظلم الْمُوقِعِ في الاختلاف: الحسد الذي يجعل الحاسد يرفض الحق وهو يعرفه، ويجادل عن الباطل، فقال ﷾: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].
ثم بيَّن أن فريقًا من الناس يعرفون سبيل الرشد ولا يتخذونه سبيلًا؛ استكبارًا وعنادًا، وهذا من الظلم والبغي، وإن يروا سبيل الغي والضلال يتخذوه سبيلًا، ولذلك صرفهم الله عن طريق الحق جزاءً وفاقًا، فقال ﷾: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعر اف: ١٤٦].
كما بيَّنْ الله ﷿ أن من سننه في خلقه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء إذا تركوا شيئًا من شرعه ولم يعملوا به، فقال ﷾ عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤].
وقد اختلفت هذه الأمة كما اختلف مَنْ قبلها من الأمم؛ مصداقًا لقوله ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (١)، وظهرت فيها الفرق التي أخبر
(١) انظر تخريجه في النص المحقق (١/ ١٦، ٢/ ٩٢، ٣/ ١٢٨، ١٨٦، ١٨٨).
مقدمة / 7
عنها النبي ﷺ في حديث الافتراق، وادَّعت كل فرقة أنها على الحق وما عداها على الباطل.
ولكن مع وجود هذا الاختلاف والتفرق، فلا يزال في الأمة طائفة منصورة قائمة بالحق، داعية إليه، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك.
ولذلك اهتم سلف هذه الأمة بالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والأهواء، وكثرت أقوالهم ومؤلفاتهم في هذه المسألة.
فكُتِبَتْ كتب كثيرة في السنة وبيان منهج السلف الصالح، وفي الرد على أهل الأهواء والبدع.
ومن هذه الكتب الكثيرة، كتاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "الرد على الجهمية"، وكتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وكتاب "السنة" لمحمد بن نصر المروزي، وكتاب "الشريعة" للآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، وغير ذلك من كتب السلف رضوان الله عليهم.
وبعض هذه الكتب، عُنِيَ فيها مؤلفوها بالكتابة في التحذير من الأهواء والبدع، فألف ابن وضاح القرطبي كتابه "البدع والنهي عنها"، وألف أبو بكر الطرطوشي كتابه "الحوادث والبدع"، وألف أبو شامة كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، ولكن اقتصرت هذه الكتب -في الغالب- على النقل المجرد للنصوص الواردة في التحذير من البدع والنهي عنها، دون تحليل لمعانيها، وتحقيق مسائلها، مما جعل الإمام الشاطبي يقوم بتصنيف كتابه الفذ "الاعتصام"، الذي أشار رحمه الله تعالى فيه إلى هذه الكتب السابقة، ومأخذه عليها، فقال: "وإذا استقام هذا الأصل -أي كَتْبَ العلم لحفظ الدين- فَاحْمِلْ عَلَيْهِ كَتْبَ الْعِلْمِ مِنَ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الِانْدِرَاسُ، زِيَادَةً عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ؛ مِنَ الْأَمْرِ بِكَتْبِ الْعِلْمِ، وأنا
مقدمة / 8
أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَتبُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ بَابَ الْبِدَعِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ مُغْفَلًا جِدًّا إِلَّا مِنَ النَّقْلِ الْجَلِيِّ؛ كَمَا نَقَلَ ابْنُ وَضَّاحٍ، أَوْ يُؤْتَى بِأَطْرَافٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ بِالتَّفَقُّهِ فِيهِ كَمَا يَنْبَغِي، ولم أجده عَلَى شِدَّةِ بَحْثِي عَنْهُ، إِلَّا مَا وَضَعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَإِلَّا مَا وَضَعَ النَّاسُ فِي الْفِرَقِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ، وَهُوَ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْبَابِ وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَأَخَذْتُ نَفْسِي بِالْعَنَاءِ فِيهِ، عَسَى أَنْ يَنْتَفِعَ واضعه، وقارئه، وَنَاشِرُهُ، وَكَاتِبُهُ، وَالْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ ولي ذلك ومُسْدِيه بسعة رحمته" (١).
انتهي كلامه رحمه الله تعالى.
ويمتاز كتاب الشاطبي من غيره من الكتب الأخرى التي ألفت في البدع بميزات عدة، أهمها:
١ - دراسته للآيات والأحاديث والآثار الواردة في معنى البدعة، والتحذير منها، والأمر بلزوم السنة دراسة تحليلية، قائمة على الاستنباط والدقة في الفهم، والتحقيق العلمي للمسائل التي يطرقها.
٢ - الترتيب العلمي والتسلسلي لموضوعات الكتاب، مما يساعد القارئ على استيعاب موضوعاته، وفهمها.
٣ - قوة الشاطبي العلمية، والعقلية، ورصانة أسلوبه، ودقة عباراته وألفاظه.
٤ - شمولية الكتاب لموضوعه، وجمعه لأطراف القضية التي تصدَّى لها، فقد عرَّف البدعة، والمسائل المتعلقة بها، وأسبابها، وذم البدع، وبيَّن سوء منقلب أصحابها، وأن البدع كلها مذمومة، ثم بيَّن مأخذ أهل البدع في الاستدلال، وحكم البدع الحقيقية والإضافية، وبيَّن أن البدع ليست على مرتبة واحدة، وناقش مسألة: هل البدع تدخل في الأمور العادية أو هي خاصة بالأمور العبادية فقط، وعقد فصلًا مُهِمًّا عن الفرق بين البدع
(١) (٣/ ١٦).
مقدمة / 9
والمصالح المرسلة والاستحسان، ثم درس حديث الافتراق دراسة وافية من حيث معناه، وما يندرج تحته من مسائل مُهِمَّة، وأخيرًا عقد بابًا لبيان الصراط المستقيم الذي ينبغي للمسلم سلوكه، وهذا ترتيب دقيق، يدل على عظم فقه صاحبه رحمه الله تعالى.
٥ - مناقشته للشُّبَه التي تمسك بها أهل البدع، وجعلوها أدلة لبدعهم، وقيامه بنقضها وبيان خطأ الاستدلال بها، وأنها لا تخفي على الراسخين.
وقد طبع الكتاب عدة طبعات، معظمها مليئة بالسقط والتصحيف والأخطاء (١)، لا يزال معها الكتاب بحاجة إلى خدمة؛ من ضبط نصٍّ، وتخريج أحاديث وآثار، وتعليق على ما لا بُدَّ منه، وغير ذلك؛ مما دفعنا إلى إعادة تحقيقه، والتعليق عليه، فقام الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشقير بكتابة قسم الدراسة من بدايته إلى نهاية المبحث الخامس: (قيمة الكتاب العلمية)، وتحقيق الأبواب الثلاثة الأولى.
وقام الدكتور سعد بن عبد الله آل حميّد بتحقيق الباب الرابع والخامس والسادس والسابع.
وقام الدكتور هشام بن إسماعيل الصيني بتحقيق الباب الثامن والتاسع والعاشر، وكتابة الملحق الخاص بالفرق في نهاية الكتاب.
وما سوى ذلك فهو عمل مشترك بين المحققين.
وأصل هذا العمل كان رسائل علمية بجامعة أم القرى، فالقسم الأول هو أطروحه الدكتور محمد الشقير للماجستير، وقد نوقشت بتاريخ ١٤١٥ هـ، والقسم الثالث هو أطروحة الدكتور هشام الصيني للماجستير أيضًا، وقد نوقشت بتاريخ ١٤١٣ هـ.
وأما القسم الثاني فلم يتم الاتفاق بين دار ابن الجوزي وبين الطالب
(١) ولا نستثني من ذلك سوى الطبعة التي قام بتحقيقها الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان فهي أحسن الطبعات السابقة؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
مقدمة / 10
الذي قام بتحقيقه، فقام الدكتور سعد الحميد بتحقيقه، وكان هذا من أسباب تأخير صدور هذه الطبعة.
وفيما يلي وصف لخطة العمل في هذا الكتاب:
فقد قسمنا الكتاب إلى قسمين، تعقبها الفهارس.
* القسم الأول: الدراسة، وفيه بابان:
- الباب الأول: التعريف بالمؤلف، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عصر المؤلف، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
الفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبه ونسبته.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وموطنه.
المبحث الثالث: محنته وما اتهم به.
المبحث الرابع: وفاته.
الفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.
المبحث الثاني: تلاميذه.
المبحث الثالث: ثقافته ومؤلفاته.
المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث الخامس: عقيدته.
- الباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونُسَخِه الْخَطِّيَّة، وفي فصلان:
مقدمة / 11
الفصل الأول: التعريف بالكتاب، وفيه خمس مباحث:
المبحث الأول: اسم الكتاب.
المبحث الثاني: موضوعه.
المبحث الثالث: سبب تأليفه.
المبحث الرابع: توثيق نسبته إلى مؤلِّفه.
المبحث الخامس: قيمته العلمية.
الفصل الثاني: التعريف بطبعات الكتاب، ونُسَخِه الخطّيَّة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التعريف بطبعات الكتاب.
المبحث الثاني: التعريف بنسخ الكتاب الخطّيَّة.
* القسم الثاني: النص المحقق.
منهجنا في تحقيق الكتاب
أولًا: المقابلة بين النسخ:
قمنا بالمقابلة بين النسخ، واتبعنا طريقة اختيار النص الصحيح، وذلك لعدم توفر نسخة يمكن الاعتماد عليها وجعلها أصلًا، مع ملاحظة ما يلي:
أ- لا نشير إلى الفروق في لفظ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، والترضي عن الصحابة ﵃، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات.
ب- لا نشير إلى الفروق بين النسخ في:
(قال الله تعالى) و(قال تعالى)، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات.
جـ- بالنسبة إلى الفروق بين نسخ الاعتصام والكتب التي نقل منها الشاطبي، لا نشير إلا إلى الفروق المهمة بينهما.
د- إذا أجمعت النسخ على كلمة أو جملة يظهر -من غير جزم- أنها
مقدمة / 12
خطأ أو فيها سقط، فنثبت ما وجدناه في النسخ في الأغلب، ونشير في الهامش إلى الكلمة أو الجملة التي نظن أنها أقرب إلى الصواب.
أما إذا أجمعت النسخ على خطأ أو سقط جزمًا، وكان الخطأ في نقل نقله الشاطبي عن بعض الكتب، ووجدنا الصواب في الكتب التي نقل منها، فنثبت الصواب ونشير إلى ذلك في الهامش.
ثانيًا: التعليق:
علقنا على المسائل المهمة التي يُحتاج إليها في فهم النص، أو قد تُشكل على بعض القراء، ولم نعلق على كل مسألة ترد خشية إثقال الحواشِي بالتعليقات التي لا يحتاج إليها -في الغالب- معظم طلبة العلم.
ثالثًا: الآيات القرآنية:
قمنا بمراجعة الآيات القرآنية، وعزوها إلى سورها، مع ذكر أرقام الآيات.
رابعًا: الأحاديث والآثار:
خرجنا الأحاديث والآثار من الكتب المشهورة كالصحيحين والسنن والمسانيد، وأما بالنسبة إلى صحة الحديث، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، اكتفينا بذلك، وإن كان في غير الصحيحين، ذكرنا حكم العلماء عليه -إن وجد- بالصحة أو الضعف، سواء من العلماء السابقين أو المعاصرين، وقد نجتهد في الحكم على الحديث والأثر أحيانًا.
خامسًا: عزو الأقوال والنصوص:
قمنا بعزو النصوص -التي نقلها الشاطبي- إلى الكتب المطبوعة حسب الاستطاعة.
سادسًا: ترجمة الأعلام:
ترجمنا ترجمة مختصرة للأعلام غير المشهورين.
مقدمة / 13
سابعًا: شرح الكلمة الغريبة:
قمنا بشرح الكلمات الغريبة من معاجم اللغة، وضبطنا بالشكل الكلمات التي تحتاج إلى ضبط.
ثامنًا: التعريف بالفِرَق:
عرفنا بالفرق من خلال كتب الفرق المشهورة، وذكرنا التعريف في هامش النص، ما عدا الفرق التي سردها الشاطبي أثناء كلامه على مسألة تعيين الفرق في الباب التاسع، وهي أكثر من اثنتين وسبعين فرقة، فقد أفرد لها محقق الباب التاسع ملحقًا خاصًّا في نهاية البحث.
تاسعًا: التعريف بالبلدان والأماكن:
قمنا بالتعريف بالبلدان والأماكن غير المشهورة، من خلال كتب معاجم البلدان.
عاشرًا: الفهارس:
قمنا بوضع فهارس علمية تساعد الباحث في الكشف عن مسائل الكتاب، وهي:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث النبوية.
٣ - فهرس الآثار.
٤ - فهرس الأعلام.
٥ - فهرس الفرق.
٦ - فهرس الأماكن والبقاع.
٧ - فهرس موضوعات الكتاب.
وبعد: فهذا ما استطعنا من جهد، فما كان فيه من صواب فهو بتوفيق
مقدمة / 14
من الله ﷿، وما كان من خطأ فهو من قصور البشر وعجزهم، ولا نقول إلا كما قال الشاطبي ﵀: "فَالْإِنْسَانُ -وَإِنْ زَعَمَ فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ وَقَتَلَهُ عِلْمًا- لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ إِلَّا وَقَدْ عَقَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَقَلَ، وَأَدْرَكَ مِنْ عِلْمِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ قَبْلَ ذَلِكَ، كُلُّ أَحَدٍ يُشَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ عِيَانًا، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْلُومٍ دون معلوم، ولا بذات دون صفة، ولا فعل دون حكم" (١).
و"المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" (٢).
وأخيرًا، فإنا نحمد الله ﷿ ونشكره على توفيقه لنا في إتمام هذا العمل.
ثم إنّا نشكر كل من ساعدنا في إتمام هذا الجهد، ونسأل الله ﷿ أن يكتب لهم الأجر ويحط عنهم الوزر، وأن يتقبل عملنا خالصًا لوجهه، ويغفر لنا خطأنا وتقصيرنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المحققون
(١) انظر النص المحقق (ص ٢٨٦).
(٢) "القواعد" لابن رجب (ص ٣).
مقدمة / 15
القسم الأول الدراسة
* وفيه بابان:
الباب الأول: التعريف بالمؤلف.
الباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونُسخِه الخطيّة.
مقدمة / 17
الباب الأول التعريف بالمؤلف
* وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عصر المؤلِّف.
الفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية.
الفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية.
مقدمة / 19
الفصل الأول عصر المؤلِّف
* وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
مقدمة / 21
المبحث الأول الحالة السياسية
عاش الإمام الشاطبي ﵀ في القرن الثامن الهجري، وكانت حياته في مدينة غرناطة (١) الأندلسية، والتي كان يحكمها في ذلك الوقت ملوك بني نصر، ويسمون كذلك ملوك بني الأحمر، ويعود نسبهم إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري ﵁ (٢). وقد حكمت هذه الدولة مملكة غرناطة ما يزيد على قرنين ونصف، حيث نشأت مملكتهم عام ٦٣٥ هـ على يد مؤسس الدولة الغالب بالله أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري، وانتهت عام ٨٩٧ هـ على أيدي نصارى إسبانيا (٣).
وقد عاشت هذه الدولة اضطرابات سياسية بين ملوكها، بعد مؤسسها الأول، فها هو لسان الدين ابن الخطيب (٤) أحد وزراء الدولة المقربين يصور لنا ما وقع بين ملوكها بعد مؤسسها الأول فيقول: " ... وولِّي بعده ولده
(١) غرناطة: بفتح أوله وسكون ثانيه، ثم نون، وبعد الألف طاء مهملة، وأغرناطة بالألف في أوله أسقطها العامة، وهي أقدم مدن كورة البيرة من أعمال الأندلس وأعظمها وأحسنها وأحصنها. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي (٤/ ١٩٥)، "الإحاطة في أخبار غرناطة" للسان الدين ابن الخطيب (١/ ٩١).
(٢) "الإحاطة في أخبار غرناطة" (١/ ١١٩).
(٣) "نهاية الأندلس" لعبد الله عنان (ص ١٣٩).
(٤) هو محمد بن عبد الله بن سعيد المعروف بلسان الدين ابن الخطيب، ذو الوزارتين، أديب، شاعر، مؤرخ، مشارك في الطب وغيره، ومن كتبه "الإحاطة في أخبار غرناطة" و"اللمحة البدرية في الدولة النصرية" وغيرهما.
انظر: "نفح الطيب" للمقري (٨/ ١٣٠)، "شجرة النور الزكية" لمحمد مخلوف (ص ٢٣٠).
مقدمة / 22
وسَمِيُّه السلطان -ثاني ملوكها وعظيمها- أبو عبد الله، وطالت مدته إلى أن توفي عام احد وسبع مئة، وولِّي بعده ولده وسَمِيُّه أبو عبد الله محمد، وخُلع يوم الفطر من عام ثمانية وسبع مئة، وتوفي في شوال عام أحد عشر وسبع مئة، وولِّي بعده خالعه أخوه نصر أبو الجيوش، وارتبك أمره، وطلب الأمر ابن عم أبيه السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل صنو الأمير الغالب بالله أول ملوكهم، فتغلب على دار الإمارة في ثاني ذي القعدة من عام ثلاثة عشر وسبع مئة، وانتقل نصر مخلوعًا إلى مدينة وادي آشي، وتوفي عام اثنين وعشرين وسبع مئة، وتمادى ملك السلطان أبي الوليد إلى الثالث والعشرين من رجب عام خمسة وعشرين وسبع مئة، ووثب عليه ابن عمه في طائفة من قرابته فقتلوه ببابه، وخاب فيما أملوه سعيهم، فقتلوا كلهم يومئذٍ، وتولَّى أمره ولده محمد، واستمر إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبع مئة، وقتل بظاهر جبل الفتح بأيدي جنده من المغاربة، وتولَّى الأمر بعده أخوه أبو الحجاج يوسف، ودام ملكه إلى يوم عيد الفطر من عام خمسة وخمسين وسبع مئة، وترامى عليه في صلاته ممرور بمدية في يده فقتله، وقدم لأمره الأكبر من أولاده ... " (١).
وابنه هذا هو محمد بن أبي الحجاج، وقد سلب منه ملكه ثم عاد إليه عام ٧٦٣ هـ، "واستمر ملكه إلى أن توفي عام ٧٩٣ هـ، ودامت فتن داخلية حتى سقطت مملكتهم عام ٨٩٧ هـ على أيدي نصارى إسبانيا" (٢).
ولا يخفي ما يصوره نص ابن الخطيب السابق من الاضطرابات السياسية الداخلية بين ملوك هذه الدولة.
وقد عانت هذه الدولة من العدو الخارجي، وهم النصارى الإسبان الذين كانوا يتربصون بهم، ولا يفترون عن مهاجمتهم إلا إذا انشغلوا بالقتال فيما بينهم، وجهاد هذه الدولة ضد النصارى من أروع حسناتها، حيث
(١) "الإحاطة في أخبار غرناطة" (١/ ١١٩)، "اللمحة البدرية" (ص ٣٣ - ٣٤).
(٢) "نهاية الأندلس" لعبد الله عنان (ص ٢٧ - ٥٤، ١٣٩).
مقدمة / 23