الَّتِي دَفَعُوا بِهَا مَضَرَّاتِ الْأَعْدَاءِ، وَخَلَصُوا بِهَا مِنَ الْمَهَالِكِ، وَاسْتَضَافُوا (^١) نَفَائِسَ الْمُدِنِ وَعَظِيمَ الْمَمَالِكِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا غَيْرُ هَذَا لَكَفَى بِهِ فَخْرًا.
وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ لِلإِنْسَانِ مِنَ التَّجَارِبِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَوَادِثِ، وَمَا تُصِيرُ إِلَيْهِ (^٢) عَوَاقِبُهَا، وَإِنَّهُ لَا يَحْدُثُ أَمْرٌ إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ هُوَ أَوْ نَظِيرُهُ فَيَزْدَادُ (بِذَلِكَ) (^٣) عَقْلًا، وَيُصْبِحُ لِأَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَهْلًا.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ حَيْثُ يَقُولُ (^٤):
وَجَدْتُ (^٥) العَقْلَ عَقْلَيْنِ … فَمَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ … إِذَا لَمْ يَكُ (^٦) مَطْبُوعُ
يَعْنِي بِالْمَطْبُوعِ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ، وَبِالْمَسْمُوعِ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَجَعَلَهُ عَقْلًا ثَانِيًا (^٧) تَوَسُّعًا وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي عَقْلِهِ الْأَوَّلِ" انتَهَى.
وَيُشِيرُ إِلَيْهِ الْمَرْوِيُّ فِي الْمَرْفُوعِ: "إِنْ حُدِّثْتَ (^٨) أَنَّ رَجُلًا تَحَوَّلَ عَنْ طِبَاعِهِ فَلا