ويكفي هذا الاختلاف بين الديانتين لامتناع التشابه بينهما على الخصوص في مسألة الشر، وقوة الشر، وعلاقة هذه القوة بنواميس الكون الخالدة، سواء منها ما يتمثل في صورة «الذات» الإلهية، أو ما يتمثل في الناموس الأعظم أو «الكارما» الذي ليس له ذات.
على أن الديانة الهندية تحير علماء المقارنة بين الأديان أشد الحيرة في أمر «الشخصية» التي تقابل شخصية الشيطان، أو قوة الشر العالمية عند أصحاب الديانات الأخرى. وأسباب هذه الحيرة متعددة لا يصادفها العلماء بهذه الكثرة وبهذه الصعوبة في غير الديانة البرهمية وما تفرع عليها.
من هذه الأسباب أن الهنود الأقدمين قد تعاقبوا على البلاد بعقائد مختلفة يوشك أن تتناقض بين قبيل وقبيل من السابقين واللاحقين، وربما تعمد القادمون أن يهدموا عقائد من تقدمهم، فلا ينجحوا كل النجاح ولا يتركوها سليمة من التضارب والاختلاط، ومن ذلك في هذا الباب عقيدتهم في العفاريت الخبيثة أو العابثة التي يسمونها بال «راكشا»، وينسبون إليها أعمالا كأعمال الشياطين في الديانات الأخرى، فإن الباحثين في اشتقاق الكلمة يقولون تارة: إنها تفيد معنى الحراسة، ويقولون تارة أخرى: إنها الاسم الذي كان يطلق على الهمج الأولين الذين سكنوا الهند قبل إغارة الآريين عليها، وكانت لهم حراسة على الطرق وعلى ينابيع الماء. وقد رسخ في الأذهان من أحاديث القتال بينهم وبين الآريين أنهم أعداء البشر، وأنهم يتربصون بالناس كما يتربص الناس بهم في كل مكان، فلا ينجو أحدهم من الآخر حيث أصاب الغرة منه، ثم تطاول الزمن فانقسموا في أساطير العامة إلى أقسام ثلاثة: أحدها يشبه أرواح «الياكشا» البريئة التي تهيم على وجهها ولا تؤذي أحدا إلا أن يتعرض لها، والثاني يشبه العصاة المتمردين من الجن ويعادي الإنسان ألد العداء، والقسم الأخير يلوذ بالمقابر والصوامع ويحالف الموت والخراب، ويقول من يزعمون رؤيتهم: إنهم مشوهون، بعضهم ذو رأسين، وبعضهم ذو ثلاث أرجل، ومنهم من له عين واحدة في رأسه، ومنهم من له عدة أعين، وكلهم على خلاف البشر في التركيب.
ولا ينسب إلى هؤلاء «الراكشا» عمل من أعمال الإغراء والإغواء، ولكنهم قد يغتصبون النساء عنوة، ويتلصصون في الطرق المقفرة، ويستبيحون الأذى للكيد أو للعبث والدعابة. ورئيس هؤلاء «الراكشا» المسمى «رفانا» هو الذي اختطف الحسناء «سيتا» زوجة البطل «رام»، كما جاء في ملاحم «الريجيفيدا»، ثم حملها إلى جزيرة سرنديب، ولم يستطع زوجها أن يهتدي إليها ويخرجها من أسرها إلا بمعونة القرد هنومان.
فالشياطين في صورة «الراكشا» هم «الشر» الذي أبغضه الآريون، وصوروه لأبنائهم في الصورة التي تنفرهم منه، وتحذرهم من كيده، واتهم عندهم بما يتهم به كل شعب مهزوم يستأصله أعداؤه، ويدفعون به إلى أقاصي الأرض وزوايا المدن، ويستثيرونه أحيانا من فرط الظلم فيثور، ويهملونه أحيانا فيهيم على وجهه عاجزا عن الأذى، قانعا بالسلامة أو متحفزا للانتقام . •••
وإلى جانب التتابع في الديانات والأقوام المغيرة على البلاد، يقوم السبب الشامل في جميع العهود، ولا سيما العهود الأخيرة التي تطورت فيها فلسفة الهياكل، ووجد فيها الكهان المفسرون والمفكرون على أعقاب الكهان المتنسكين أو الدهاة المتحكمين؛ ففي هذه العهود الأخيرة تمكن الاعتقاد ببطلان العالم المحسوس، وغلبة الشر على طبيعة الوجود كله، فلم يكن في «الوجود» الشرير محل خاص لقوة تفسده وتدحض فيه الحق، أو تنقض فيه الخير. وما فيه من حق ولا خير إلا أن يفارقه الصالحون الناجون بأرواحهم إلى عالم الفناء.
وقد اشتمل الثالوث الأبدي في الديانة البرهمية على ثلاثة أرباب؛ هم: «براهما» الإله في صورة الخالق، و«فشنو» الإله في صورة الحافظ، و«شيفا» الإله في صورة الهادم، فكان الهدم - من ثم - عملا ربانيا يقوم به الإله في صورة من صوره، وينصف به الحق من هذا الوجود الباطل الذي ينبغي أن يزول؛ ليمهد سبيل الطهارة والصفاء. وبهذه المثابة يضيق مجال الشيطان ولا تمس الحاجة إليه في نظام الوجود.
ومن الصعوبات التي تحير علماء المقارنة بين الأديان أن التناسخ أو تعدد الصور للروح الواحد عقيدة عميقة متشعبة في الديانة البرهمية وفروعها، فليست هي مقصورة على الإنسان في أدوار حياته المتعاقبة، ولا على الحيوان في أشكاله المتنوعة، بل تعم الوجود كله من الأرباب العليا إلى ما دونها من الحيوان والنبات حتى الجماد؛ ولهذا يتفق أن تكون للإله صور متعددة تقترن النعمة ببعضها، وتقترن النقمة بغيرها، فيدين أناس للإله «شيفا» على أنه مصدر الخير وقائد الأرواح في طريق الفناء إلى حظيرة «الوجود» الأسنى، ويرهبه أناس آخرون على أنه سلطان الغضب والنكاية، فلا رحمة عنده ولا موئل من قصاصه وتقلب أطواره.
وليس تعدد الصور كل ما يواجه العلماء من أسباب الحيرة وتناقض الصفات في الإله الواحد، بل هناك سبب آخر يضاعف هذا التعدد، ولا يمنع «الشخصية» الربانية الواحدة أن تتولى أعمال العدد العديد من الشخصيات الربانية في معظم الديانات، وهذا السبب هو إضافة ال «شاكتي»، أي قرينة الإله الأنثوية، إلى وظيفته في المسائل الدنيوية.
فكل إله له «شاكتي»، بمعنى القرينة أو الزوجة، هي التي تنوب عنه في «شئون الدار»، أو في الشئون التي يتركها ولا يتفرغ لها إيثارا للعمل في الآفاق العلوية.
Página desconocida