إن الإنسان الذي يقرأ القرآن ويجعله خلقه في حياته ودليله إلى السعادة في حياته ومماته لا بد أن يجد في القرآن حياة مترفقة، وطمأنينة ونورا يقربه من ربه، ويضيء له خفايا دربه. وعليه أن يتمسك بهذه الحياة المترفقة، وبهذه الأنوار المشرقة، ولا يتخلى عنها في أي لحظة ضعف مخفقة، ولا يستطيع ذلك إلا بالاعتصام برب الحياة والنور، والاستعاذة بربه الخلاق العليم، وهنا يأتيه الدليل إلى المعيذ الحق، تحمله إليه سورة الفلق، تدله بمن يلوذ ومن هو الذي به يستعيذ. وتختار له الصفة المناسبة من صفات ربه المعيذ، فماذا اختارت له من صفات ربه؟.
لنقرأ: (قل أعوذ برب الفلق) إنه الله رب الفلق، ماذا يعني الفلق؟ لو عدنا إلى القرآن لعرفنا المعنى الأصدق، فالله يقول (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنا تؤفكون(95)فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم(96) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون(97)وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون(98)) [سورة الأنعام].
وتستمر الآيات تصف الله الفالق فماذا تقول (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم(101)ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل(102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير(103)).
إذن فرب الفلق يعني رب الحياة ورب النور، وهكذا فإنك يا أيها الحي المستنير بالقرآن الحكيم تستعيذ برب الحياة والنور، الخالق لكل شيء وهو به عليم. الحياة والنور التي نفخها فيك القرآن وبه يكتب الله في قلبك الإيمان، ويؤيدك بروح منه مدى الزمان، وكيف لا يؤيدك الله ويعيذك مما تخشاه وأنت قد استعذت بالمنبع الأصيل، والمصدر الجليل، والخالق الحق والمبدع الجميل، الذي من استعاذ به أمن من كل أمر وبيل، واستقام على الصراط المستقيم، فقل مؤمنا قل موقنا قل مطمئنا (أعوذ برب الفلق)؛ تجد رب الفلق معك يحميك ويصون، فلا يعجزه شيء وهو آخذ بناصية كل حي، فأنت أيها المؤمن المستعيذ بقوته أنت الأجدر والأحق برعايته، فكن مطمئنا بأنه المعيذ الأقوى والنصير الأوفى، وهداه هو الهدى، فمن اهتدي به اهتدى، ومن استعاذ به نال ما تمنى، وعاش في أمان من كل أذى.
وبعد فمن ما تستعيذ برب الفلق؟ وماذا تريد من رب الحياة والنور أن يحقق ؟ إن السورة تبدأ بأهم أعداء القرآن، وأشد أعداء الحياة والكارهين للنور الفارين من ضياه، ولهذا فإنهم يوضعون في أول القائمة وذلك هو قوله (من شر ما خلق).. ما هو هذا الشر ومن هم أصحابه ومن هم مصدره ومن ذا الذي يتصف به من خلق الله؟ إن الله يوضحه بلا لبس ولا خفاء، فيقول: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون) [الأنفال:55]. فهم من الدواب التي لا تعقل بل هم أكثر شرا منها، بل إنها لا شر فيها ولكن الشر مجسد في هؤلاء؛ لأنهم لا يؤمنون ومن لا يؤمن فهو لا يعقل، ومن لا يعقل فهو أضل من الدواب، وهو مصدر الشر والخراب، والشر مجسد فيه بلا ارتياب؛ ولهذا يقول الله موضحا هذه الحقيقة: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون(22)ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون(23)) [سورة الأنفال].
وهكذا فإن هؤلاء هم شر ما خلق الله رب الفلق، هو الله عليم بهم فهو يعلم أن لا خير فيهم، بل الشر مجسد فيهم فهم معرضون في كل حال عن كلما يهد الله نافرون عن كل ما يحييهم، إنهم جرثومة عفنة تدمر الحياة، وتنشر الفساد والأوبئة في كل اتجاه. ولهذا فإن الله يؤكد شرهم بشكل أوسع، ويجعلهم أكثر شرا من كل ما خلق الله وبرأه فيقول:
(إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) [البينة: 6].
إنهم مشار إليهم بأولئك لوضوح خطرهم وشرهم على الحياة؛ وكيف لا وهم قد كفروا بما أنزل الله من الآيات، وتعاموا عن البينات فكانوا هم أشد شرا من المخلوقات. إن كل ما برى الله وسواه في الأرض والسماوات، وما لا نعلمه من البرايا كله خير، لكن هؤلاء هم وحدهم الشر الذي لا يخفى، والخطر الذي ينشر وينفث الوباء، ويذر الحياة والأحياء، ويشوه الجمال ويطفئ الضياء، فهم أعداء الهدى، وهم خطر على من آمن واهتدى.
فإذن فالاستعاذة منهم برب الفلق هو الحق، وهو الطريق الأبلق، وهو الذي بالمؤمن أليق، فقل أيها المؤمن، قل وأنت مؤمن موقن: (قل أعوذ برب الفلق* من شر ما خلق) فإن ذلك هو الطريق الحق لحماية القرآن في قلبك، ولاستقامتك على صراط ربك، فالكافرون هم الشر الذي لا يحب الخير أبدا، وهم للحياة والنور ألد الأعداء.
فإذا أردت أن تستمر عاقلا مستنيرا بالقرآن، فاستعذ برب الفلق، من شر هذا النوع البشري الذي يكره الحق ويكره الفلق، ويكره النور والحياة، ويهوى الظلام والظلمات، ويرتدي لباس الموت والأموات، فهو خطر على الحياة والأحياء، وهو عدوها الذي لا يقبل الحق ولا بأهله يرضى، بل يعرض ويأبى، ويريد أن يطفئ النور المبين (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)، فاستعذ به تكن من المؤمنين الآمنين، في الدنيا ويوم الدين.
Página desconocida