High Aspiration

علو الهمة

Editorial

دار القمة - دار الإيمان

Ubicación del editor

مصر

علو الهمة
تأليف
محمد أحمد إسماعيل المقدم
عفا الله عنه
دار الإيمان
إسكندرية
علو الهمة
ئأليف
محمد إسماعيل المقدم
عَفَا الله عَنُهُ
دار القمة
لتوزيع الكتاب والشريط والسي دي
فاكس: ٥٤٥٧٧٦٩ ت: ٥٢٢٢٠٠٢
دار الإيمان
للطبع والنشر والتوزيع
إسكندرية ت: ٥٤٥٧٧٦٩

Página desconocida

بسم الله الرحمن الرحيم
ربَّنَا تَقبَّل منَّا
إنك أنت السميع العليم
رقم الإيداع
١٥٧١٨/ ٢٠٠٤
الترقيم الدولي
(٥ - ٣٢٥ - ٣٣١ - ٩٧٧)
جميع الحقوق محفوظة
علو الهمة
دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع ١٧ شارع خليل الخياط - مصطفى كامل - إسكندرية
تليفون وفاكس: ٥٤٥٧٧٦٩ ت: ٥٤٤٦٤٩٦

1 / 4

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، والشكر له على ما أولى من نِعَمٍ سابغةٍ، وأسدى، أحمده سبحانه، وهو الوليُّ الحميد، وأتوب إليه جل شأنه، وهو التواب الرشيد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له شهاده نستجلب بها نِعَمَه، ونَستدفع بها نِقَمَه، ونَدَّخِرُها عُدَّةً لنا ﴿يَومَ لا يَنفع مَالٌ وَلَا بَنونَ إِلَّا مَنْ أتى اللَّه بقَلْب سلِيم﴾.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه، وصَفِيُّه من خلقه وخليلُه، صلى الله عليه، وعلى آله نجوم المهتدين، ورجوم المعتدين.
ورضي الله عن صحابته الأبرار الذين قاموا بحق صحبته، وحِفظ شريعته، وتبليغ دينه إلى سائر أمته، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
أمَّا بَعد
ففي قرنٍ وبعض قرنٍ، وثب المسلمون وثبةً ملأوا بها الأرضَ قوةً وبأسًا، وحكمة وعلمًا، ونورًا وهداية، فراضوا الأممَ، وهاضُوا الممالك، وركزوا ألويتَهم في قلب آسيا، وهامات أفريقية، وأطراف أوربة، وتركوا دينَهم، وشرعتَهم، ولغتَهم، وعلمَهم، وأدبَهم، تَدِينُ لها القلوب، وتتقلب بها الألسنةُ، وتَحقَّق فيهم الأنموذج الفريد،

1 / 5

والمثال الأعلى للبشرية باعتبارهم "خير أمة أخرجت للناس"، بعد أن كانوا فرائق بَددًا، لا نظام، ولا قوام، ولا علم، ولا شريعة.
لقد قطع المسلمون تلك المرحلة التي سَهَم لها الدهر، ووجم لروعتها التاريخ، وهم يعرفون معالم طريق المجد، ونهج السعادة في الدارين، وأمعنوا بكل ثقة في هذا السبيل مدفوعين بطاقةٍ خارقة، وقوةٍ دافعة، كانوا إذن يدركون بكل دقة معالمَ الطريق كأن معهم "خارطة" مفصلة أودَعُوها "قوتهم العلمية"، وكان الوقود الذى يتزودون به لبلوغ غاياتهم هو "القوة العملية "، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فهذان هما سر عظمة المسلمين، وخيريتهم وتفوقهم على الأمم: "العلم" و"الإرادة".
أما العلم فحسبنا أنه الحاكم على الممالك، والسياسات، والأموال، والأقلام، فمُلْك لا يتأيد بعلم لا يقوم، وسيف بلا علمٍ مِخراق لاعب، وقلم بلا علم حركةُ عابث، والعلم مُسَلَّط حاكم على ذلك كله، ولا يحكم شىء من ذلك على العلم.
ولن نفيض في ذكر فضائل العلم فذاك حديث يطول، وكم صنف المتقدم والمتأخر في شرفه والحث عليه، ولكن المقصود من هذا المبحث إلقاء الضوء على قسيم العلم وشريكه في صناعة المجد، وإحياء الأمة، ألا وهو "القوة العملية" أو "الإرادة" أو "الهمة".
***

1 / 6

البَابُ الُأوَل المقدمَاتُ
ما هي الهَمَة؟
الهَمُّ: ما هُمَّ به. من أمرٍ ليُفْعَل.
والهمة: هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلوٍّ أو سفول.
وفي "المصباح": الهمة بالكسر: أول العزم، وقد تطلق على العزم القوي، فيقال: له همة عالية.
وقيل: علو الهمة: "هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور " (١).
وقيل: "خروج النفْس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل" (٢).
قال الجرجاني في "التعريفات":
(الهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل، من خير أو شر).

(١) انظر: "رسائل الإصلاح" (٢/ ٨٦) للشيخ محمد الخضر حسين.
(٢) "صيد الخاطر" لابن الجوزي ص (١٨٩) وقال في شرح معناه:
(ينبغي لمن له أنفة أن يأنف عن التقصير الممكن دفعه عن النفس، فلو كانت النبوة -مثلًا- تأتي بكسب، لم يجز له أن يقنع بالوَلاية، أو تصور أن يكون مثلًا خليفة، لم يحسن به أن يقتنع بإمارة، ولو صَحَّ له أن يكون مَلَكًا، لم يرض أن يكون بشرًا، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن في العلم والعمل) اهـ. ص (٢٠٠ - ٢٠١).

1 / 7

والهمة: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق، لحصوله الكمال له أو لغيره) (١).
وقال ابن القيم في "مدارج السالكين":
(و"الهِمَّةِ" فِعْلَة من الهمِّ، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالْهَمُّ مبدؤها، والْهِمَّة نهايتها.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: في بعض الآثار الِإلهية قول الله تعالى: "إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته".
قال: والعامة تقول: قيمة كل امرىءٍ ما يحسن. والخاصة تقول: "قيمة كل امرىءٍ ما يطلب"، يريد: أن قيمة المرء همته ومطلبه.
قال صاحب "المنازل":
"الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صِرفًا، لا يتمالك صاحبها، ولا يلتفت عنها".
قوله: "يملك الانبعاث للمقصود" أي: يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك، و"صرفًا" أي: خالصًا صرفًا.
والمراد: أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبًا صادقًا خالصًا محضًا، فتلك هي الهمة العالية، التي "لا يتمالك صاحبها" أي: لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره، لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود "ولا يلتفت عنها" إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه

(١) "التعريفات" ص (٣٢٠).

1 / 8

العلائق، والله اعلم) (١) اهـ.
وقال أيضًا:
(علو الهمة: أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم: كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التى تصل إليهم، فإن "الهمة" كلما علت، بعدت عن وصوله الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان، فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء: عنوان فلاحه، وسفول همته: عنوان حرمانه) (٢) اهـ.
والهمة طليعة الأعمال ومقدمتها، قال أحد الصالحين: "همتك فاحفظها، فإن، الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال" (٣)، وعن عبيد الله بن زياد بن ظبيان قال: (كان لي خال من "كلب"، فكان يقول لي: "يا عبيد هِمَّ؛ فإن الهمة نصف المروءة ").
الهمةُ مولودةٌ مع الآدمي
قال ابن الجوزي في: "لفتة الكبد إلى نصيحة الولد":
(وما تقف همة إلا لخساستها، وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع

(١) "مدارج السالكين" (٣/ ٣ - ٤).
(٢) "السابق" (٣/ ١٧١ - ١٧٢).
(٣) "بصائر تربوية" ص (١٣٧).

1 / 9

بالدون، وقد عُرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثَّتْ سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزًا فسل المنعم، أو كسلًا فسل الموفق، فلن تنال خيرًا إلا بطاعته، فمن الذي أقبل عليه ولم ير كل مراد؟ ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة؟ أو حظي بغرض من أغراضه؟) اهـ.
وقوله ﵀: "وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات" بسبب عجز أو كسل، أو ركون إلى وسوسة الشيطان، وركوب الهوى، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، فهنا تحتاج الهمة إلى إيقاظ وتنبيه وتذكير برضا من تطلب؟ وفي أي نعيم ترغب؟ ومن أي عقاب ترهب؟ كما فعل ذلك البطل الذي لا نعرف اسمه، لكن حسبه أن الله يعلمه، وهو وحده الذي يثيبه:
عن عبد الله بن قيس، أبي أمية الغفاري قال: (كنا في غزاة لنا، فحضر عدوُّهم، فصِيحَ في الناس، فهم يثوبون إلى مصافهم، إذا رجل أمامي، رأسُ فرسي عند عَجُز فرسه، وهو يخاطب نفسه ويقول: "أيْ نفس ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلتِ لي: أهلُكَ وعيالُك فأطعتك ورجعتُ؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلت: أهلُك وعيالُك فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنك اليوم على الله، أخذكِ، أو تركك"، فقلت: لأرمُقنَّه اليوم، فرمقته، فحمل الناسُ على عدوهم، فكان في أوائلهم، ثم إن العدوَّ حمل على الناس فانكشفوا، فكان في حُماتهم، ثم إن الناس حملوا، فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو، وانكشف الناس، فكان في حُماتهم، قال: "فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعًا، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنةً") (١).

(١) "صفة الصفوة" (٤/ ٤٢١).

1 / 10

لابُدَّ للسالِكِ مِن همةٍ تُسيَّرهُ، وتُرقَِّيهِ، وعلم يُبصِّرُه، وَيهدِيهَ
قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-:
(إن الله ﷾ لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة، أعاضهم أفضل منها، وهو ما أعطاهم من عهده الذى جعله سببًا موصِّلًا لهم إليه، وطريقًا واضحًا بَيِّنَ الدلالة عليه، من تمسك به؛ فاز واهتدى، ومن أعرض عنه؛ شقى وغوى، ولما كان هذا العهد الكريم، والصراط المستقيم والنبأ العظيم، لا يُوصَل إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصوله إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحُه عليه، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين "همة تُرَقِّيه" و"علم يُبصِّره، ويهديه"،فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالمًا بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسًا، وقلبه عن كماله الذي خُلِق له مصدودًا منكوسًا، قد أسام نفسه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَل، واستطاب لِقِيعات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رُفع له عَلَم فشمَّر إليه، وبورك له في تفرده في طريقه طلبه فلزمه، واستقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه

1 / 11

الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله.
ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرفُ العلم تابعًا لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها؛ أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى، والحظ الأوفى؛ إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيًا، وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطة يينه وببين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدئًا منه، ومنتهيًا إليه، ﷺ) (١) اهـ.
أقسَامُ الناس من حيث القوتان العلمية والعملية
قال ابن القيم ﵀:
[كمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل (٢) وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا

(١) "مفتاح دار السعادة، ومنشور وَلاية العلم والإرادة" (١/ ٥٩).
(٢) وفي الأثر: "اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا، وارزقني اجتنابه"، فهؤلاء هم الذين رزقوا علمًا، وأعينوا بقوة العزيمة على العمل، وهم الموصوفون في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وبقوله سبحانه: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثلُه في الظلمات ليس بخارج منها﴾ فبالحياة تنال العزيمة، وبالنور ينال العلم، وأئمة هذا القسم هم أولو العزم من الرسل.

1 / 12