مكثت على هذه الحال سنتين وأنا آسف على ضياع وقتي ووقوف عملي العلمي، فلم أؤلف في هذه الفترة كتابا، ولم أتمم بحثا، وأنا ضيق الصدر بكثرة الطلبات والشكايات والعلاوات والدرجات، ولكن أحمد الله إذ لم أكن أقل شأنا من غيري في إدارة الكلية بشهادة غيري.
وكانت مدة العمادة ثلاث سنوات حسب القانون، ولكن حدث بعد سنتين أن اختلفت وجهة نظري مع وجهة نظر وزير المعارف إذ ذاك، فتصرف في أمر هام من أمور الكلية من غير أخذ رأيي، فاعترضت على ذلك فاعتذر، وتكرر هذا الأمر ثانية فكان شأنه كذلك، ثم قرأت في الجرائد أن عددا كبيرا من مدرسي كلية الآداب وأساتذتها صدر قرار بنقلهم إلى الإسكندرية من غير أن يكون لي علم بشيء من ذلك، فقدمت استقالتي من العمادة وصممت عليها فقبلت، وحمدت الله أن تحررت منها ورجعت أستاذا كما كنت، وبدأت أتمم سلسلة فجر الإسلام وضحى الإسلام على النحو الذي رسمت، فأخرجت الجزء الأول من ظهر الإسلام.
وشاعت مرة شائعة بعد تغير الوزارة أني سأعود عميدا وسألني صحفي عن ذلك فقلت: «إنني أصغر من أستاذ وأكبر من عميد».
وحاولت أثناء عمادتي أن أحقق ثلاث مسائل لم أنجح فيها كثيرا.
الأولى: تنظيم الحياة الاجتماعية في الكلية، فقد رأيت أن الحياة فيها مقتصرة على دروس تلقى ودروس تسمع من غير أن يكون هناك حياة اجتماعية ترفه عن الطلبة وتوثق الصلة بينهم وبين أساتذتهم وتقلل من إضرابهم، فاتجهت إلى نادي الكلية أجهزه بمختلف الوسائل ليكون أداة صالحة لتنظيم الحياة الاجتماعية، وعهدت إلى بعض الأساتذة ممن تعلموا في جامعات أوروبة أن يحاضروا الطلبة محاضرات عامة في نظم الجامعات الألمانية والفرنسية والإنجليزية، وبخاصة في نظم الحياة الاجتماعية ونحو ذلك.
والثانية: أني حاولت تحسين العلاقة بين الطلبة والأساتذة من ناحية الإشراف الخلقي، فأردت أن أخصص كل أستاذ لعدد من الطلبة يشرف عليهم إشرافا أبويا، يفضون إليه بمشاكلهم المالية والنفسية والاجتماعية ويحاول هو علاجها ويعينهم على ذلك من الناحية المالية بمال الاتحاد.
والثالثة: محاربة الطريقة التي يتبعها كثير من الأساتذة من قلبهم المحاضرات إلى دروس إملاء، فهم يملون على الطلبة ما حضروا، أو يوزعون عليهم مذكرات مختصرة، وكنت أرى في هذا إماتة للروح العملية الجامعية، وإنما المنهج الصحيح إرشاد الطلبة إلى مرجع الدرس ثم إلقاء الأستاذ المحاضرة وتقييد الطلبة بأنفسهم لأنفسهم النقط الهامة مما فهموا واعتمادهم على أنفسهم في ذلك.
وعلى كل حال لم أحقق من هذه المطالب الثلاثة ما كنت أتمنى.
هذا وقد ترددت طويلا في كتابة هذه الفصول الأخيرة لأن فيها لونا من ألوان التقريظ النفسي، وهو لون لا أحبه وقد لا يحبه القارئ، ولكنني فضلت أن أقوله لأنه - على الأقل - يصور للقارئ عقيدتي في نفسي.
وأثناء عمادتي وقع الاختيار علي لأكون عضوا بمجمع فؤاد الأول للغة العربية في عهد وزارة الدكتور محمد حسين هيكل فساهمت في العمل فيه ما أمكنني، وقد شاهدت فيه نوعا من المجتمع من طراز خاص، تسوده - بحكم طبيعته - نزعة المحافظة، وكراهة الثورة والتجديد، والبطء في العمل وكثرة الجدل، ومع هذا فقد فتح لي آفاقا في الوقوف على مشاكلنا اللغوية والأدبية، ومكنني من الإطلاع على كثير من آراء الباحثين والمفكرين.
Página desconocida