وصدر العدد الأول من مجلة البيان، وفيه حديث يرويه البرقوقي عن الشيخ محمد عبده في مجلس من مجالس درسه، بأسلوب من أسلوبه وروح من روحه وبيان في مثل بيانه، وما قال المرحوم الإمام شيئا من ذلك ولا تحدث به، ولكنه حديث مصنوع وضعه الرافعي على لسان الأستاذ الإمام ونشره البرقوقي ليقضي لبانة في نفسه ... ... ألقى إلي الرافعي هذا الحديث ساخرا، ثم دفع إلي العدد الأول من مجلة البيان وهو يقول: «اقرأ، أترى هذا الحديث من مهارة السبك بحيث يجوز على القراء أنه من حديث الأستاذ الإمام؟»
وضحكت وضحك الرافعي، وعاد يقول: «ولكن تمام الفكاهة أن السيد رشيد رضا لما قرأ هذا الحديث المصنوع، التفت إلى جلسائه قائلا: وأي حديث هذا الذي يبدأ به البرقوقي مجلته؟ لقد كنت حاضرا مجلس الشيخ، وسمعت منه هذا الحديث، ولكني لم أجد له من القيمة الأدبية ما يحملني على روايته ...!»
6 ... واستمر هذا «التعاون» أيضا بين الرافعي والبرقوقي طول المدة التي كانت تصدر فيها مجلة البيان، فأي مقال قرأت من أعداد هذه المجلة فشككت في نسبته إلى مذيله باسمه، فاحمله على أنه مما كتب الرافعي من الأدب المنحول ...
ومن ذلك مقدمة شرح ديوان المتنبي الذي نشره البرقوقي.
ويدخل في هذا الباب كثير من المقالات كان الرافعي يكتبها بأسماء طائفة من ناشئة المتأدبين؛ ليدفع عن نفسه في معركة، أو يدعو إلى نفسه لمغنم، أو ليعين صاحبا على العيش، أو ليوحي إلى «صاحب الإمضاء» إيحاء يدفعه إلى الاستمرار في الأدب والأمل في أن يكون غدا من الكتاب المشهورين ... وليس يعنيني في هذه الناحية أن أسمي أحدا أو أشير إليه؛ إذ كان الذي كتبه من ذلك ليس له من القيمة الأدبية ما يدعونا إلى الحرص على تصحيح نسبه، وأكثره لغو مما ينشر في بعض الصحف لملء الفراغ.
من شئونه الاجتماعية
لم يكن الرافعي عضوا في جماعة من الجماعات، ولا منتسبا إلى حزب من الأحزاب أو طائفة من الطوائف؛ إذ كان يؤثر الوحدة والاستقلال في الرأي، وكان من التعصب لرأيه والاعتداد بنفسه بحيث يأبى أن ينزل عن رأي يراه مجاملة لصديق أو خضوعا لرأي جماعة ينتسب إليها، وكان له من علته سبب آخر نبهت إليه عند الحديث عن نشأته، ثم إن الرافعي لم يكن رجلا اجتماعيا يلتزم ما تفرض عليه الجماعة من تقاليد ويتخذ أسلوب الناس فيما يليق وما لا يليق، فهو لا يعتبر إلا رأيه، أو حاجته، أو مصلحته، فيما يكون بينه ويبن الناس من صلات، ولم يكن يعرف هذا النفاق الاجتماعي الذي يسميه الناس التقاليد، أو الأدب اللائق ... فهو بذلك كان عالما منفردا يسير في نهجه إلى الهدف المؤمل على وحي الفطرة أو هدي الإيمان، سم هذا شذوذا في الخلق، أو سمه استقلالا في الرأي وأسلوبا من التعبير عن الشخصية المتميزة بخصائصها، فما يعنيني هنا إلا إثبات هذه الحقيقة في التاريخ كما شهدتها في معاملاته وفي صلاته بالناس، وكما لمحتها في جملة من أحاديثه. ... هذه الأسباب هي أهم ما كان يباعد بين الرافعي والاشتراك في الجماعات، أو يباعد بينها وبينه!
على أن ذلك لم يكن يمنعه أن يكون هواه مع جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب في وقت ما لسبب ما، ولم يمنعه ذلك أن يكون عضوا في بعض الجماعات.
وأول أمره في ذلك - على ما أعرف - أنه شرع وهو شاب لم يجاوز العشرين في تأليف جماعة من الشباب تدعو إلى نوع من الإصلاح الديني، وكان معه على هذا الرأي صديقان من أترابه، أذكر منها الأستاذ عبد الفتاح المرقي المحامي بطنطا، وقد اتخذوا «مسجد البهي» في طنطا مكانا لاجتماعهم وتبليغ دعوتهم، وطنطا كما قد يعرف كثير من القراء، مركز هام من مراكز الثقافة في مصر، وفي أهلها حفاظ وتحرج، ولها صبغة دينية نشأت من أن فيها معهدا دينيا كبيرا في «الجامع الأحمدي» كان في وقت ما يشتد عدوا في مسابقة الجامع الأزهر بالقاهرة، والأزهريون في طنطا كالأزهريين في القاهرة، إلى عهد قريب، أكثر أهل العلم في مصر حفاظا على القديم، وأسرعهم إلى سوء الظن بكل إصلاح جديد، من ذلك لقي الرافعي وصاحباه في دعوتهم ما لقوا من عداء طلبة الجامع الأحمدي وعلمائه، حتى هم الطلبة مرة أن ينالوهم بالأذى في أبدانهم ... فلم يجد الرافعي وصاحباه في النهاية بدا من التسليم، وانحلت الجمعية الرافعية الصغيرة.
حدثني الرافعي حديث هذه الجمعية في خريف سنة 1932 بعد ثلث قرن مما كان، وكنت ذهبت إليه يومئذ في وفد ثلاثة ندعوه إلى الاشتراك معنا في جماعة أنشأها بطنطا في ذلك الوقت باسم «جماعة الثقافة الإسلامية» تدعو فيما تدعو إلى العمل على إحياء الشعور بمعنى القومية الإسلامية العربية، واتخذت لذلك وسائل وشرعت نهجا، وكانت تضم فيمن تضم طائفة ممتازة من أهل الرأي والعلم والأدب لكل منهم صوت ورأي وجاه في قومه ...
Página desconocida