على أن الرافعي مع ذلك كان يرد على رسائله! وددت لو ينشر صاحبنا بعض رسائل الرافعي إليه!
2 •••
والآنسة الأديبة «ف. ز.» معلمة في إحدى مدارس الحكومة، كان أبوها زميلا للرافعي في محكمة طنطا، وكان بينهما صلة من الود، فلما مات لم تنس ابنته صديق أبيها، فكانت تستعينه في بعض شئونها، ومن ثمة نشأت بينهما مودة، فكانت تراسله ويراسلها، ومن رسائلها إليه كان له علم جديد في شئون وشئون.
صحبته إلى زيارتها مرة في ليلة من ليالي الشتاء مع الصديقين كامل حبيب وسعيد الرافعي، فلقيناها مع بعض صديقاتها، وكانت جلسة طالت ساعات، أعتقد أن الرافعي قد أفاد منها بعض معانيه في قصة «القلب المسكين!» ••• ... وقد أنشأت هذه الرسائل بين بعض قرائه وبينه صلات عجيبة من الود، فهو منهم أب وصديق ومعلم ومشير، وجلس على «كرسي الاعتراف» فترة غير قصيرة من حياته تفتحت فيها عيناه على كثير من حقائق الحياة لا يبلغ أن يصل إليها من رحل وطوف، وكان له في كل دار أذن وعلى كل باب رقيب عتيد! ولست بمستطيع أن أفسر سر هذه الثقة العجيبة التي ظفر بها الرافعي من قرائه، ولكني أستطيع أن أجزم بأنه كان أهلا لهذه الثقة، فما أعرف أنه باح بسر أحد فسماه أو عرف به، وما أطلع على رسائل قرائه أحدا غيري، إلا قليلا من الرسائل كان لا يرى بأسا من إطلاع نفر قليل من أصحابه عليها لغرض مما يستجره إليه بعض الحديث في موضوعها، بل إن كثيرا من هذه الرسائل قد أخفاه عني - وما كان بيني وبينه حجاب أو سر - فما عرفت خبرها إلا بعد موته، ويستطيع أصحاب هذه الرسائل أن يطمئنوا إلي، فستظل أسرارهم - في يدي - مصونة عن عيون الفضوليين، فلن أتناول الحديث عنها إلا من حيث يدعوني الواجب لجلاء بعض الحقائق في هذا التاريخ.
وكان له مراسلون دائمون ... يجدون الكتابة إليه جزءا من نظام حياتهم، فلا تنقطع رسائلهم عنه، ولا يخفى عليه شيء من تطورات حياتهم، وقد أكسبهم طول العهد بالكتابة إليه شيئا من الأنس به والاطمئنان إليه كما يطمئنون إلى صديق عرفوه وجربوه وعايشوه طائفة من حياتهم، وإن القارئ ليلمح في هذا النوع من الرسائل الدورية التي كان يبعث بها إليه هؤلاء الأصدقاء الغرباء، مقدار ما أثر الرافعي في حياتهم منذ بدأت صلتهم به، فتطورت بهم الحياة تطورات عجيبة، وأدى الرافعي إليهم دينه وأثر فيهم بمقدار ما كان لهم من الأثر في أدبه وفي حياته الاجتماعية، وإني لأضرب مثلا لواحدة من هؤلاء الأصدقاء.
هي فتاة من أسرة كريمة في دمشق، نشأت في بيت عز وغنى وجاه، وهي كبرى ثلاث نشأن نشأة يفاخرن بها الأتراب، ثم تقلبت بهن الحياة فإذا هن بعد الغنى والجاه ناس من الناس، واضطرت الكبرى أن تخرج إلى الميدان عاملة ناصبة لتعول أسرتها، وكان لها من ثقافتها وتربيتها معين ساعدها دون أختيها في ميدان الجهاد، وعلى أنها كانت أجمل الثلاث وأولاهن بالاسقرار في بيت الزوج الكريم، فقد سبقتها أختاها إلى الرفاء والبنين والبنات وظلت هي ... وما كان ذلك لعيب فيها، ولكنه سر لم يلبث أن انكشف لعينيها، لقد كانت هي وحدها - من دون أختيها - التي تستطيع أن تعول أسرتها لأنها عاملة ... وتألمت حين عرفت السر، ولكنها كتمت آلامها وظلت «صابرة»، ومضت الأيام متتابعة والأماني تخلف موعدها، وتحركت فيها غريزة الأمومة، ولكنها قمعتها بإرادة وعنف، ومضت تصارع الطبيعة وتتحدى القدر بعزيمة لا تلين، ولكنها لم تلبث أن أحست بوادر الهزيمة بعد طول الكفاح، فشرعت قلمها وكتبت رسالتها الأولى إلى الرافعي بإمضاء «الصابرة».
وقرأ الرافعي رسالتها، ثم قص علي خبرها وتندت عيناه بالدمع وهو يقول: يا لها من فتاة باسلة!
وأجابها على رسالتها بتذييل صغير في حاشية إحدى مقالاته في الرسالة ... وعادت تكتب وعاد يجيبها، وتوالت رسائلها ورسائله وقد كتم اسمها وعنوانها عن كل أحد، وكانت كتبته إليه في ورقة منفصلة في إحدى رسائلها ليمزقه وحده إن عناه أن يحتفظ برسائلها، وكان الرافعي لها كما أرادت، أبا وصديقا ومرشدا ومشيرا، ولم يأب عليها في بعض رسائله أن يتبسط في الحديث إليها عن قصة «القلب المسكين» لعلها تجد فيما يكتب إليها من شئونه عزاء وتسلية ... وتعزت المسكينة عن شيء بشيء، وثاب إليها الاطمئنان والشعور بالرضا، وبدا في رسائلها لون جديد لم يكن في رسالتها الأولى، وأخذت تكتب إليه عن كل شيء تحس به أو تراه حولها، وتستشيره فيما جل وما هان من شئونها ، في سفرها، وفي إقامتها، وفي رياضتها، وفي عملها، وفي يقظتها، وفي أحلامها ... في كل شيء كانت تكتب إليه، سائلة ومجيبة، ومخبرة ومستشيرة، حتى في صلاتها مع صديقاتها وأصدقائها، وفي الخطاب الذين يطرقون بابها يطلبون يدها ... ولم يكن يضن عليها بشيء من الرأي أو المشورة ...
وكان للصابرة جزاء ما صبرت، وتحققت أمانيها على أكمل ما تتحقق أماني فتاة، وجاءها العروس الذي لم تكن أحلامها تتطاول إليه في منامها، وبرق في إصبعها خاتم الخطبة، فانبهرت منه عيون! ... لا أريد أن أذكر من صفات خطيبها حتى لا أعرف بها وبه، فليس من حقي أن أكشف ما تريد هي أن يظل مستورا، لو قلت: إن خطيبها وزير من وزراء ذلك البلد لما بعدت!
واستمرت تكتب للرافعي والرافعي يجيبها ... حتى رسائل خطيبها إليها كانت تبعث بها إلى الرافعي ليشير عليها كيف تجيب، وحتى برنامجها قبل الزفاف وبعده كان بمشورة الرافعي ورأيه ...
Página desconocida