968

Hamayan Zad hacia la Casa del Más Allá

هميان الزاد إلى دار المعاد

Regiones
Argelia

{ وهو الذى يتوفاكم بالليل } يأخذ أرواحكم الذى هى أرواح اليقظة وافية بالليل، فيكون النوم لزوال الإحساس والتمييز، فإن التوفى قبض الشئ وافيا بتمامه، وهذا معنى موجود فى قبض روح اليقظة كلها، وإن شيئت فاعتبر شهرة التوفى فى الإماتة حتى كأنه أصل فان فيه، فتستعير التوفى للإنامة، وتشتق منه يتوفى بمعنى ينيم، ووجه الشبه زوال الإحساس والتمييز، والخطاب للكفار، لأنهم الذين ينامون الليل كله، ولا يلزم ذلك، لأن اللفظ يصلح بمن ينام بعض الليل، لكن الخطاب قبل هذا الكفار فترجح أن يكون لهم هذا أيضا، والباء بمعنى فى، ويجوز مرجوحا أن يكون على أصلها لأن ظلمة الليل سبب وآلة للتوفى، والله غنى عن الآلة والسبب، لكن جاء اللفظ على ذلك. { ويعلم ما جرحتم بالنهار } ما كسبتم فيه من الأعمال ذكر فى شأن الليل المتوفى، وفى شأن النهار الكسب لأن النوم معتاد بالليل والكسب بالنهار، ولو كان النوم يقع أيضا نهارا وكسب الأعمال ليلا، والمراد كسب أعمال السوق، لأن الخطاب للمشركين وهم يعاقبون على صغائرهم وكبائرهم ولا ثواب لهم فى الآخرة على ما عملوا من خير، ويجوز أن يكون جرحتم من الجرح البدن كأن الذنب جرح فى الدين والعرب، تقول

جرح اللسان كجرح اليد فطب كلام المرء طيب كلامه

{ ثم يبعثكم فيه } يوقظكم فى النهار من نوم الليل، وهذا مما يؤيد أن الخطاب فى يتوفاكم وما بعده للمشركين، لأنهم المعتادون للنوم إلى طلوع الشمس وما بعده، ولو كان طلوع الفجر أيضا نهارا لكن على خلاف، وقد علمت أن الضمير فى فيه عائد إلى النهار، ويجوز عوده إلى ما جرحتم ، أى يبعثكم فى شأن ما جرحتم بالنهار، أى لأجله فيجازيكم به، فالبعث بعثهم من القبور على هذا، أو أراد أنه يوقظهم فى شأن عمل النهار الآخر يعملوه، وأجاز عبد الملك بن كثير عوده على التوفى، أى يوقظكم فى التوفى، أى فى خلال التوفى، والجمهور على عوده إلى النهار، وبه قال مجاهد، ويبعث بمعنى يوقظ حقيقة لغوية، لأن البعث لغة مطلق الإنهاض، وباعتبار شهرته فى الشرع بمعنى إقامة الموتى من قبورهم يكون أصلا ثانيا، فيكون استعماله بمعنى الإيقاظ استعارة، وإذا اعتبرنا شهرة التوفى بمعنى الإماتة، وشهرة البعث فى إقامة الموتى كان البعث ترشيحا فى استعارة التوفى للإنامة. { ليقضى أجل مسمى } أى لتقضوا أجلا مسمى محدودا، أى يستوفى كل منكم عمره، أو ليقضى الله أجلا مسمى، أى يوفى لكل منكم عمره، ويدل لهذا الآخر قراءة بعض ليقضى أجلا مسمى بالبناء للفاعل، ونصب أجل فإن الفاعل فى هذه القراءة ضمير الله. { ثم إليه مرجعكم } بالموت وبالبعث، والعطف على الجملة الفعلية التى هي يبعثكم، فثم على أصلها فى تراخى النسبة، وإن عطف على يقضى أجل كانت أيضا على أصلها فى تراخى النسبة، لأن الأجل المسمى عمر كل واحد إلى الموت، وبين الموت أو الرجوع إلى الله بالبعث مدة متراخية، إلا إن عطفناه على يقضى أجل مسمى، وفسرنا المرجع بالموت والأجل المسمى أيضا بتمام العمر، كانت لتراخى الرتبة، فإن الشأن الأعظم فى كون الموت رجوعا إلى الله، وكذا إن فسرنا الأجل المسمى بتمام اللبث فى القبور، والمجع بالبعث، ثم إذا جعلنا اللام للصيرورة فلا إشكال، وإن جعلناها للتعليل، فالأجل المسمى مدة اللبث فى القبور والبعث من القبور علة لهذه المدة.

{ ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } يجازيكم عليه كأنه قيل يخبركم بأعمالكم إخبار توقيف ومحاسبة.

[6.61]

{ وهو القاهر فوق عباده } القاهر لخلقه بما شاء بعد وجودهم، والقاهر لهم بالإيجاد قيل الوجود، بمعنى أنهم لا متنازع لهم عن الوجود إذا أراده، وفوق حال مؤكدة لعاملها، لأن القاهر للشئ يكون فوقه بالشأن والعظمة، ويجوز أن يكون الحال غيره مؤكدة ، لأن القاهر قد يكون خبيثا لا شرف له، فتكون الحال مؤكدة، لأن القهر فى الجملة قد يكون بلا شرف.. وأريد بالفوقية عظمة الشأن والشرف، وزعم سلف الأشعرية أن الفوقية فى صفة الله يجب الإيمان بها، ويوكل علمها إلى الله ولا يؤولونها بعظمة الشأن، وذلك خطأ منهم، ثم إن القهر على أقسام منها قهر المخلوق على إيجاده بمعنى يوجده، ولا يتعاصى عن الوجود، وسواء للأجسام والأعراض، ولا جسم بلا عرض، ومنها قهر المخلوق على ما يكره، ولا يستطيع دفعه، ودخل فى القسم الأول فهو الظلمة بالنور، والفقر بالغنى، والضعف بالقوة، والمرض بالصحة، والليل بالنهار، ونحو ذلك من الأضداد والمتناقضات، كالذل بالعز، وعكوس ذلك، والحياة بالموت، والعدم بالوجود، ودخل قهر المتنافيات بالجمع كالروح مع البدن، فالبدن جسم يفسد لا يبقى، ليس فيه نور فهم ومعرفة، كثيف سفلى ظلمانى، ومع ذلك اجتمع مع الروح الذى ليس يفسد، وهو نورانى ذو فهم ومعرفة، لطيف وعلوى. { ويرسل عليكم حفظة } ملائكة يحفظون أعمالكم وهم الكرام الكاتبون

وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين

وحكمة إرسال الحفظة مع أن الله قادر على ابن آدم أن يحفظه عن الجن بدونهم، إظهار شرف بنى آدم على الجن والملائكة إذا استخدم لهم الملائكة، وحكمة إرسال الحفظة لحفظ الأعمال، مع أن الله عالم بها أن يستحى ابن آدم منهم، فلا يعصى الله، لأن الله قد أخبرنا أن معكم ملائكة يحفظون أعمالكم، ولو لم يرسل الملائكة لحفظ الأعمال لزدت يا ابن آدم جراءة على المعاصى.

لعلمك إن الله عاف وستار أقل عثراتى فابن يوسف معثار

وأيضا إذ علمت أن أعمالك تكتب وتقرأ على رءوس الأشهاد قرب ما انزجرت، قيل مع كل إنسان ملكان كانت الحسنات عن يمينه إذا قعد أو قام، وكاتب السيئات عن يساره، وإن اضطجع فكاتب الحسنات عند رأسه، وكاتب السيئات عند رجليه، وإن مشى فكانت الحسنات أمامه وكاتب السيئات خلفه، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، إذا فعل سيئة وأراد أن يكتبها قال له أمهل لعله يتوب، فيهمل خمس ساعات، وقيل سبعا، وقيل تسعا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما مع كل مؤمن خمسة من الحفظة واحد عن يمينه يكتب الحسنات، وواحد عن يساره يكتب السيئات، وواحد أمامه يلقنه الخيرات، وواحد خلفه يدفع عنه الآفات، وواحد على ناصيته يكتب صلاته على النبى صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه، وقيل مع كل مؤمن أربعة اثنان ليلا واثنان نهارا وقيل ستون، وقيل مائة وستون، وقيل غير ذلك كما شهر فى شروح الحديث والفقه، يدفعون عنه الشياطين، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين.

Página desconocida