Así habló Zaratustra: Un libro para todos y para nadie
هكذا تكلم زرادشت: كتاب للكل ولا لأحد
Géneros
صدقني يا إبليس، الثورات الصاخبة الجهنمية ليست أعظم الحادثات في أكثر ساعاتنا ضجيجا بل هي في أعمقها صمتا، وما يدور حول موجدي الشغب الجديد بل هو يدور على محور موجدي النظم الجديدة.
لا بد لك أيها الشيطان من الإقرار بسخافة ما كانت تنقشع عنه قرقعتك وضباب دخانك، وهل من جسام الأمور أن تتحول مدينة إلى مومياء، وأن يتداعى عامود إلى الأوحال؟ وهذه كلمة أخرى أوجهها إلى هدامي الأعمدة: إن أقصى الجنون هو في إلقاء الملح إلى البحر وفي إسقاط الأعمدة إلى الوحول؛ لأن هذه الأعمدة كانت مطروحة على أوحال احتقاركم، وها هي ذي تنهض بسيماء الآلهة وقد انطبع عليها الألم الساحر، فهي والحق تدين لكم بالشكر؛ لأنكم أسقطتموها أيها الهادمون.
وهأنذا الآن أسدي النصح للملوك والكنائس، ولكل من أضعفته الفضيلة أو أهرمه الزمان فأقول: دع القوة تسقطك لتعود إلى الحياة فترجع الفضيلة إليك.
هكذا تكلمت أمام كلب النار، فقاطعني بهريره قائلا: «الكنيسة، وما هي هذه الكنيسة؟» فقلت: إن الكنيسة شيء أشبه بالدولة، بل هي من أكذب أنواع الدول، ولكن صه أيها الكلب، فإنك أخبر بنوعك من أي كان. إنما الدولة حيوان خبيث على شاكلتك؛ فهي تحب أن تتكلم فترسل بيانها دخانا وهريرا، لتخدع الناس وتجعلهم يعتقدون بأن أقوالها مستمدة من غور الأمور، فهي تريد أن تكون أعظم حيوان على وجه الأرض والعالم يراها على ما تريد.
1
وظهرت على وجه الكلب أفظع معاني الحسد فصاح: ماذا تقول؟ وهل يعتقد أحد أن الدولة هي أعظم حيوان على الأرض؟
قال هذا وخرجت من بين شدقيه إعصار من الدخان، وازداد هريره حتى حسبته مقتولا بغيظه، ولكنه ما لبث حتى استعاد السكون فقلت له: لقد تملكك الغيظ يا كلب النار، وذلك دليل على أنني أقول الحق عنك، وهأنذا استمر في إعلان الحقائق فأحدثك عن كلب آخر من أتباع النار وهذا الكلب يتكلم حقيقة من قلب الأرض، فلهاثه من ذهب، وما يحسب حسابا للرماد والدخان والزبد الحار فإن حوله ترتفع قهقهة تنتشر كأنها سحاب يزهو بعديد ألوانه، وهو عدو هريرك وزبد شدقيك وما في أحشائك من الاختلال. إن هذا الكلب يأخذ الذهب والضحك من قلب الأرض لأن قلب الأرض من ذهب، فاعلم هذا أنت.
وغلب الكلب على أمره عند سماعه هذه الكلمات؛ فأرخى ذيله خجلا وبدأ يعوي وهو يزحف زحفا إلى مغارته.
هذا ما سرده زارا لأتباعه، ولكن أتباعه ما كانوا يبالون بما يقول وقد اشتد شوقهم إلى إخباره عما حدث للبحارة والرجل الطائر في الهواء.
ولما سمع زارا ما قصوه عليه قال: ماذا عساني أظن بما قلتم؟ أفأكون شبحا من الأشباح؟ ولعل ما رأوه لم يكن سوى خيالي، ولعلكم سمعتم حكاية المسافر وخياله، غير أنه من الواجب علي أن أشدد النكير على خيالي فلا يذهب كما يشاء نائلا من شهرتي.
Página desconocida