Alimento de los corazones en la explicación de la versificación de las costumbres
غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
Editorial
مؤسسة قرطبة
Edición
الثانية
Año de publicación
1414 AH
Ubicación del editor
مصر
Imperios y Eras
Otomanos
بِنَاصِيَتِهِ أَذَلَّ مَا كَانَتْ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ بَهِيمَةٌ لَا تَعْقِلُ تَسْجُدُ لَك، وَنَحْنُ نَعْقِلُ فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَك قَالَ لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا» . وَأَخْرَجَ أَيْضًا نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁.
وَقَالَ الْإِمَام الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ الذُّلُّ وَالِانْكِسَارُ لِلْعَزِيزِ الْجَبَّارِ: السُّجُودُ أَعْظَمُ مَا يَظْهَرُ فِيهِ ذُلُّ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ ﷿، حَيْثُ جَعَلَ الْعَبْدُ أَشْرَفَ مَا لَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ وَأَعَزَّهَا عَلَيْهِ وَأَعْلَاهَا حَقِيقَةً أَوْضَعَ مَا يُمْكِنُهُ فَيَضَعُهُ فِي التُّرَابِ مُعَفَّرًا، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ انْكِسَارُ الْقَلْبِ وَتَوَاضُعُهُ وَخُشُوعُهُ، وَلِذَا كَانَ جَزَاءُ الْعَبْدِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يُقَرِّبَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، فَإِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وَهُوَ مِمَّا كَانَ يَأْنَفُ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ الْمُتَكَبِّرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَكْرَهُ أَنْ أَسْجُدَ فَتَعْلُونِي اسْتِي. وَإِنَّمَا طَرَدَ اللَّهُ إبْلِيسَ لَمَّا اسْتَكْبَرَ عَنْ السُّجُودِ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلِذَا يَبْكِي إذَا سَجَدَ الْمُؤْمِنُ، وَيَقُولُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَفَعَلَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْت فَعَصَيْت فَلِيَ النَّارُ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَيْلَةً فِي سُجُودِهِ «أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي دَاوُد ﵇ أُعَفِّرُ وَجْهِي فِي التُّرَابِ لِسَيِّدِي وَحُقَّ لِوَجْهِ سَيِّدِي أَنْ تُعَفَّرَ الْوُجُوهُ لِوَجْهِهِ» .
قَالَ وَمَرَّ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ بِحَاتِمٍ الْأَصَمِّ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ يَا حَاتِمُ تُحْسِنُ تُصَلِّي؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ تُصَلِّي؟ قَالَ حَاتِمٌ أَقُومُ بِالْأَمْرِ، وَأَمْشِي بِالْخَشْيَةِ وَأَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ، وَأُكَبِّرُ بِالْعَظَمَةِ، وَأَقْرَأُ بِالتَّرَسُّلِ وَالتَّفَكُّرِ، وَأَرْكَعُ بِالْخُشُوعِ، وَأَسْجُدُ بِالتَّوَاضُعِ، وَأَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ بِالتَّمَامِ، وَأُسَلَّمُ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، وَأُسَلِّمُهَا إلَى اللَّهِ ﷿، وَأَرْجِعُ عَلَى نَفْسِي بِالْخَوْفِ فَأَخَافُ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنِّي، وَأَحْفَظُهُ بِالْجَهْدِ إلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: تَكَلَّمْ فَأَنْتَ تُحْسِنُ تُصَلِّي. فَالسُّجُودُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَظْهَرُ بِهِ التَّوَاضُعُ وَالذُّلُّ لِلْمَعْبُودِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ إلَّا لِلَّهِ ﷿ فَيَحْرُمُ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ.
1 / 331