302

كقوله ( يخرجكم طفلا ) [غافر : 67] أي كل واحد منكم ، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم. ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر. والواو في ( ورفعنا ) إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدما على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس ، وإما واو الحال إن جعل مقارنا للرفع ، كأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور. قيل : الجبل مطلقا. وعن ابن عباس : أنه جبل من جبال فلسطين. وقيل : جبل معهود ، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه ، وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم ، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد.

( خذوا ) على إرادة القول أي وقلنا خذوا ( ما آتيناكم ) من الكتاب ( بقوة ) بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل : بقوة ربانية ( واذكروا ما فيه ) احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟ ( لعلكم تتقون ) رجاء منكم أن تكونوا متقين ، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ( ثم توليتم ) معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به. ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير ( من بعد ذلك ) أي من بعد القبول والالتزام. قال القفال : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة ، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم. ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا. ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره ، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون ، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها ، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس ، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله ، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب ، وجحودهم لحقه صلى الله عليه وسلم وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر ( فلو لا فضل الله عليكم ورحمته ) بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم ( لكنتم من الخاسرين ) أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم ، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم. فإن كلمة «لولا» تدل على امتناع الثاني لوجود الأول ، فامتنع الخسران لوجود فضل الله. ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ( ثم توليتم من بعد ذلك ) ويكون قوله ( فلو لا فضل الله ) رجوعا بالكلام إلى أوله ، أي لولا لطف الله بكم برفع

Página 304