933

Las iluminaciones de La Meca

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Editorial

دار إحياء التراث العربي

Edición

الأولى

Año de publicación

1418هـ- 1998م

Ubicación del editor

لبنان

Regiones
Siria
Imperios y Eras
Ayubíes

إذا ما بدا الكون الغريب لناظري . . . حننت إلى الأوطان حن الركائب يقول فأردت الرجوع إلى العدم فإني أقرب إلى الحق في حال أتصافي بالعدم مني إليه في حال أتصافي بالوجود لما في الوجود من الدعوى وطلب حالة الفناء عن الحق للبقاء بالحق هو أن يرجع إلى حالة العدم التي كان عليها فهذه غربة أيضا موجودة واقعة عن وطن بغير أختيار العبد ومن غربة العارفين بالله غربتهم عن صفاتهم عند وجودهم الحق عين صفاتهم وهذه غربة حقيقية فإن الصفة مضافة إليهم بكلام الله وهو الصادق فهم أهل صفة ولكن ما هي تلك الصفة وإلى من تضاف حقيقة فإن العالم يضاف إلى الله بأنه عبد الله كما أن الله مضاف إلى العالم فإنه رب العالمين فأضافة العبد مستندة إلى أضافة الحق فأول غربة أغتربناها وجودا حسيا عن وطننا غربتنا عن وطن القبضة عند الأشهاد بالربوبية لله علينا ثم عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام وطننا فأغتربنا عنها بالولادة فكانت الدنيا وطننا وأتخذنا فيها أوطانا فأغتربنا عنها بحالة تسمى سفرا وسياحة إلى أن أغتربنا عنها بالكلية إلى موطن يسمى البرزخ فعمرنا مدة الموت فكان وطننا ثم أغتربنا عنه بالبعث إلى أرض الساهرة فمنا من جعلها وطنا أعني القيامة ومنا من لم يجعله وطنا فإنه ظرف زماني والأنسان في تلك الأرض كالماشي في سفره بين المنزلتين ويتخذ بعد ذلك أحد الموطنين أما الجنة وأما النار فلا يخرج بعد ذلك ولا يغترب وهذه هي آخر الأوطان التي ينزلها الأنسان ليس بعدها وطن مع البقاء الأبدي وأما قولهم في الغربة أنها الأغتراب عن الحال من النفوذ فيه فتلك غربة أخرى وذلك أن أصحاب الأحوال لا شك أن لهم النفوذ والتحكم وبها يكون خرق العوائد لهم المشهورة في العالم فإذا أطلعوا على أن الحال لا أثر له فيما ظهر له من الفعل عند قيامه بهم فيما أعطاه الكشف لم يرضوا به فأغتربوا عنه وقالوا الوقوف معه وبال على صاحبه فيرون أن الغربة عنه غاية السعادة وأنه من أعظم حجاب يحجب به الأنسان وأنه موضع المكر والأستدراج فإن العاقل لا يقف في موطن أمكان المكر فيها بل ينبغي له أن يقف ألا في موضع يكون على بصيرة فيه كما فعل موسى في غربة الوطن ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين فأغترب بجسمه عن وطنه خوفا منهم فلو كان مثل خروج محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مهاجرا لم يكن خوفه منهم بل كان مشهوده خوفه من الله أن يسلطهم عليه فوهب له مع الرسالة التي كانت له قبل هجرته السيادة على العالمين فإن الهجرة كانت له مطلوبة وهي الأغتراب عن وطنه فعلامة صدق المريد في غربته عن وطنه حصول مقصوده فإذا لم يحصل فخلل في غربته إذا طلبه وجده فليس بصادق وإذا فارقه بالكلية ظاهرا وباطنا فلا بد من حصول المقصود فمن تعلق قلبه بوطنه في حال غربته فما أغترب الغربة المطلوبة وأما الغربة عن الحق التي هي من حقيقة الدهش عن المعرفة فاعلم أن الأمكان موطنه غير موطن الوجوب بل هما موطنان للواجب والممكن وموطن الممكن العدم أولا وهو موطنه الحقيقي فإذا أتصف بالوجود فقد أغترب عن وطنه بلا شك وكان في حال سكناه في وطنه مشاهدا للحق فإنه جار له أذ وصف العدم له أزلا وصف الوجود لله أزلا فأغترب عن وطنه بالوجود ففارق مجاورة الحق ولزم الحدوث بهذه الغربة والحق غير متصف بهذه الصفة ولم يتصف الحق بالحدوث أزلا في حال عدمه فأغترب عن الحق بحدوثه ولما حصل له الوجود الحادث ووقعت المشاركة في الوجود بينه وبين الحق دهش فإنه رأى ما لا يعرفه فإنه عرف نفسه متميزا عن الحق بحال العدم فلما فارق هذا الحال بالوجود أدركه الدهش عن المعرفة الأولى وهذه الغربة حال رجلين رجل لم يأنس بهذا المقام ولا وصل إليه بطريق أستدراج وترق من حال إلى حال بل أناه بغتة فجاءه ما لم يعهده ولا ألفه فرأى نفسه تضعف عن حمله فيخاف من عدم عينه فيدهش عن تحصيل تلك المعرفة ويرجع إلى حسه عاجلا فيتغرب عن الحق في تلك الرجعة ورأينا من أهل هذا المقام أبا العباس أحمد العصاد المعروف بمصر بالحريري وما رأينا غيره وأما الرجل الآخر فهو رجل ما من معرفة ترد عليه ألا وتدهشه لعظيم ما يرى مما هو أعلى مما حصل له وأمكن فيتغرب عن الحق الذي كان بيده ويحصل من هذه المعرفة حقا يقوم به إلى وقت تجل آخر يعطي فيه معرفة تدهشه لما ذكرناه فيتغرب أيضا عن الحق الذي حصل له في هذه المعرفة دائما أبدا دنيا وآخرة وأما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلا وأنهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم يبرحوا عن وطنهم ولما كان الحق مرآة لهم ظهرت صورهم فيه ظهور الصور في المرآة فما هي تلك الصور أعيانهم لكونهم يظهرون بحكم شكل المرآة ولا تلك الصور عين المرآة لأن المرآة ما في ذاتها تفصيل ما ظهر منهم وما هم فما أغتربوا وأنما هم أهل شهود في وجود وأنما أضيف إليهم الوجود من أجل حدوث الأحكام أذ لا تظهر ألا من موجود فمرتبة الغربة ليست من منازل الرجال فهي منزلة أدنى ينزلها المتوسطون والمريدون وأما الأكابر فما يرون أنه أغترب شيء عن وطنه بل الواجب واجب والممكن ممكن والمحال محال فتعين وطن كل مستوطن ولو قامت غربة بهم لأنقلبت الحقائق وعاد الواجب ممكنا والممكن واجبا والمحال ممكنا والأمر ليس كذلك والغربة عند العلماء بالحقائق في هذا المقام غير موجودة ولا واقعة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل دنيا وآخرة وأما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلا وأنهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم يبرحوا عن وطنهم ولما كان الحق مرآة لهم ظهرت صورهم فيه ظهور الصور في المرآة فما هي تلك الصور أعيانهم لكونهم يظهرون بحكم شكل المرآة ولا تلك الصور عين المرآة لأن المرآة ما في ذاتها تفصيل ما ظهر منهم وما هم فما أغتربوا وأنما هم أهل شهود في وجود وأنما أضيف إليهم الوجود من أجل حدوث الأحكام أذ لا تظهر ألا من موجود فمرتبة الغربة ليست من منازل الرجال فهي منزلة أدنى ينزلها المتوسطون والمريدون وأما الأكابر فما يرون أنه أغترب شيء عن وطنه بل الواجب واجب والممكن ممكن والمحال محال فتعين وطن كل مستوطن ولو قامت غربة بهم لأنقلبت الحقائق وعاد الواجب ممكنا والممكن واجبا والمحال ممكنا والأمر ليس كذلك والغربة عند العلماء بالحقائق في هذا المقام غير موجودة ولا واقعة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الباب الأحد والثلاثون ومائتان في المكر

يستدرج العاقل في عقله . . . من حيث لا يعلمه الماكر

ومكره عاد عليه وما . . . يدري بذاك الفطن الخابر

فمن أراد الأمن من مكره . . . ليحصل الباطن والظاهر

Página 518