Las iluminaciones de La Meca
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Editorial
دار إحياء التراث العربي
Edición
الأولى
Año de publicación
1418هـ- 1998م
Ubicación del editor
لبنان
إقامة الصلاة ظهور نشأتها على أتم خلقها وخلقها يختلف باختلاف من تنسب إليه فإذا نسبت الصلاة إلى الله فلها نشأة تخالف نشأة نسبتها إلى غير الله من ملك وبشر وغيرهما من المخلوقين فالحق ينشئها نشأة تامة ولهذا قال بعباده وسيأتي ذكر ذلك ونسبة الصلاة إلى الملك أيضا يخرجها ويقيمها تامة النشأة أي صلاة أظهرها فما يظهرها إلا تامة فلا تكون صلاة الملك إلا تامة النشأة والخلق وكذلك كل صلاة منسوبة إلى جماد ونبات وحيوان ما عدا الإنس والجن فإن صلاتهما إذا أنشآها قد تكون مخلقة أي تامة الخلقة وغير مخلقة أي غير تامة الخلق فلنذكر أولا صلاة الحق فنقول وصل قال تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته عموما وقال أن الله وملائكته يصلون على النبي خصوصا بخصوص صلاة فإن الضمير في قوله يصلون بجمع الحق والملائكة ولا يتمكن للملائكة أن تلحق صلاة الله على عبده فإنها لا تتعدى مرتبتها فيكون الحق ينزل في هذه الصلاة إلى صلاة الملائكة لأجل الضمير الجامع فتكون صلاة الله على النبي من مقام صلاة الملائكة على النبي بخلاف قوله هو الذي يصلي عليكم فإنه هنا ما جاء بالملائكة إلا بعد ما ذكرنا وفصل بنا بين صلاته وبين الملائكة بقوله عليكم ثم قال ليخرجكم فأفرد الخروج إليه وما جاء بضمير جامع يجمع بين الله وبين الملائكة في الصلاة على المؤمنين كما فعل في قوله يصلون على النبي فتميز النبي صلى الله عليه وسلم على سائر البشر بمرتبة لم يعطها أحد سواه أي ما ذكر لنا ذلك فعمنا كلنا والنبي صلى الله عليه وسلم من جملتنا بقوله هو الذي يصلي عليكم وأفرد نفسه في ذلك ثم قال وملائكته فأفرد الملائكة بالصلاة على العباد وفيهم النبي فلجميع الخلق توحيد الصلاة من الله وتوحيد الصلاة من الملائكة يصلون على النبي ومعلوم أن الصلاة في الجمعية ما هي الصلاة التي في حال الإفراد فإن الحالتين متميزتان ففاز النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلاة ثم أمرنا أن نصلي عليه صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الصلاة الجامعة وهو أن نصلي عليه إذا كان الحق لساننا كما ورد في الخبر فحينئذ تصح الصلاة التي أمرنا بها وبهذه المثابة كانت صلاة الملائكة في هذا المقام الذي جمع بينهم وبين الله في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن في تلك الصلاة كان نطقهم فثبت شرفه صلى الله عليه وسلم على سائر البشر في هذه المرتبة فإنه شرف محقق الوجود بالتعريف وإن ساواه أحد ممن لم نعرف به فذلك شرف إمكاني فتعين فضله بالتعيين على من لم يتعين وإن كان قد صلى عليه مثل هذا في نفس الأمر ولم نخبر فثبت له الفضل بكل حال فلما قال تعالى بعد قوله هو الذي يصلي عليكم بعد قوله يا أيها الذين آمنوا ولم يقل بماذا هل بالوجود وبالتوحيد فحمله على الوجود الذي هو أعم أولى لأنه أعم أتممت يريد مصليا تماما غير قصر ولهذا قال بكرة وأصيلا يعني صلاة الغداء والعشي وكذلك قال فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وعشيا وحين تظهرون فجمع الصلوات الخمس في هذه الآية وله الحمد أي الثناء المطلق في السموات والأرض فأما تقدير الكلام فلما قال هذا وأمر بالذكر والصلاة قال هو الذي يصلي عليكم فأخبر أنه يصلي عليه فالمفهوم من هذا أمر أن الأمر الواحد أنه يصلي علينا فينبغي لنا أن نذكره بالمدح والثناء ونصلي له بكرة وأصيلا فإن في ذلك غذاء العقول والأرواح كما إن غذاء الجسم في هذه الأوقات في قوله لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ورزق كل مخلوق بحسب ما تطلبه حقيقته فالأرواح غذاؤها في التسبيح فقيل لها سبحة أي صل له في هذه الأوقات واذكره على ل حال فقيد التسبيح وما قيد الذكر بوقت فعلمنا أن التسبيح ذكر خاص مربوط بهذه الأوقات والأمر الآخر أنكم إذا صليتم وذكرتم الله فإنه يصلي عليكم فصلاتنا وذكرنا له سبحانه بين صلاتين من الله تعالى صلى علينا فصلينا له فصلى علينا فمن صلاته الأولى علينا صلينا له ومن صلاته الثانية علينا كانت السعادة لنا بأن جنينا ثمرة صلاتنا له وذكرنا ثم قال وملائكته أيضا تصلي عليكم بما قد شرع لها من ذلك وهو قوله ' ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم أنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ يعني القيامة والمعصومين من وقوع السيئات منهم فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ' فهذا كله قول الملائكة فصلاة الملائكة علينا كصلاتنا على الجنازة سواء لمن عقل ثم قال ليخرجكم بلام السبب من الظلمات إلى النور ابتداء منه ومنة وبدعاء الملائكة وهو هذا الذي ذكرناه ولهذا قال وملائكته وهو قولهم وقهم السيئات فإن السيئات ظلمات فمنهم من يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم ومن ظلمات المخالفة إلى نور الموافقة ومن ظلمات الضلال إلى نور الهدى من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ومن ظلمات الحجاب إلى نور التجلي ومن ظلمات الضلال إلى نور الهدى ومن ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ومن ظلمات الحجاب إلى نور التجلي ومن ظلمات الشقاء والتعب إلى نور السعادة والراحة ثم قال وكان بالمؤمنين أي بالمصدقين رحيما أي رحمهم لما صدقوا به من وجوده الذي هو أعم من التصديق بالتوحيد ثم يندرج بعد الإيمان بالوجود الإلهي كل ما يجب به الإيمان على طبقاته ثم قال تحيتهم يوم يلقونه سلام أي إذا توقع اللقاء بشر بالسلامة إنه لا يشقى بعد اللقاء أبدا فلله رجال يلقونه في الحياة الدنيا ويبشرون بالسلام وثم من يلقاه إذا مات وثم من يلقاه عند البعث وثم من يلقاه في تفاصيل مواقف القيامة على كثرتها ومنهم من يلقاه بعد دخول النار وبعد عذابه فيها ومتى وقع اللقاء حياة الله بالسلام فلا يشقى بعد ذلك اللقاء فلذا جعل السلام عند اللقاء ولم يعين وقتا مخصوصا لتفاوت الطبقات في لقائه فآخر لاق يلقاه المؤمن بوجوده خاصة فإنه قال الرحمن على العرش استوى والعرش ما حوى ملكه كله مما وجد ورحمتي وسعت كل شيء وعرشه وسع كل شيء والنار ومن فيها من الأشياء والرحمة سارية في كل موجود فصلاة الحق كائنة على كل موجود والخلق صور خيالية محركهم الحق والناطق عنهم الحق فهم مصرفون تجري عليهم أحكام القدرة وهم محوفي عين ثبوتهم وعدم في حال وجودهم أولئك هم الصامتون الناطقون والميتون إلا حياء كحياة الشهداء فالعقل يشهد ما لا يشهد البصر فإقامة الصلاة الإلهية عموم رحمته بمخلوقاته فهي مخلوقة قال تعالى أعطى كل شيء خلقه والرحمة شيء وخلقها تعميمها وكذلك صلاة الملائكة تامة الخلقة فإنها دعت للذين تابوا كما ذكر وقالت أيضا وقهم السيئات فعمت فما بقي أمر غلا دخل في صلاة الملائكة تامة الخلقة فإنها دعت للذين تابوا كما ذكر وقالت أيضا وقهم السيئات فعمت فما بقي أمر إلا دخل في صلاة الملائكة من طائع وعاص على أنواع الطاعات والمعاصي وصل وأما صلاة الإنسان والجن وهو قوله تعالى الذين يقيمون الصلاة فإقامة البشر لها أن تنسب إليهم بمعنى الرحمة كما نسبت إلى الحق وبمعنى الدعاء والرحمة كما نسبت إلى الملائكة وبمعنى الدعاء والرحمة وإتمام التكبير والقيام والركوع والسجود والجلوس كما ورد في الخبر فمن أتم ركوعها وسجودها وما شرع فهيا وإن كان في جماعة مما تستحقه صلاة الجماعة والائتمام فقد أكمل خلقها وإن كان انتقص منها شيء كانت له بحسب ما انتقص منها والله لا يقبلها ناقصة فيضم بعض الصلوات إلى بعض فإن كانت له مائة صلاة وفيها انتقص كملت بعضها من بعض وأدخلت على الحق كاملة فتصير المائة صلاة مثلا ثمانين صلاة أو خمسين أو عشرة أو زائدا على ذلك أو ناقصا عنه هكذا هي صلاة الثقلين وصل قال الله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والطير صافات كل أي كل هؤلاء قد علم صلاته الضمير يعود على الله من قوله صلاته أي صلاته له فوصف الحق نفسه بالصلاة وما وصف نفسه بالتسبيح فعم بهذه الآية العالم الأعلى والأسفل وما بينهما وصل من غيرة الله أن تكون لمخلوق على مخلوق منة لتكون المنة لله ما خلق مخلوقا غلا وجعل لمخلوق عليه بوجه ما فإن ن أراد الفخر مخلوق على مخلوق بما كان منه إليه نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه فالعارفون مثل الأنبياء والرسل والكمل من العلماء بالله لا يخطر لهم ذلك لمعرفتهم بحقائق الأمور وما ربط الله به العالم وما يستحقه جلاله مما ينبغي أن يفرد به ولا يشارك فيه فنصب الأسباب وأوقف الأمور بعضها على بعض وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار عندما أن الله قد هداهم به قال لو شئتم أن تقولوا لقلتم وجدناك طريدا فآويناك وضعيفا فنصرناك الحديث فذكر ما كان منهم فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم فهذا فخر ويد ومنة يتعرض فيها علة ومرض لكن عصم الله نبيه من ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه العلة دواء كما هي أيضا دواء لما هو لها دواء فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه فإن افتخرنا بالصلاة عليه على طريق المنة وجدناه قد صلى علينا حين أمر بذلك وإن تصور في الجواز العقلي أن يتمن بصلاته علينا منعته من ذلك صلاتنا عليه أن يذكر هذا مع كونه السيد العظم ولكن لم يترك له سبحانه المنة على خلقه ليكون هو سبحانه المنعم الممتن على عباده بجميع ما هم فيه وما يكون منهم في حق الله من الوفاء بعهود فاجعل بالك لما نبهتك عليه فإنه من أسرار المعرفة بالله وبمراتب ما سوى الله إن كنت فطنا وصل اعلم أن الله قد ربط إقامة الصلاة بأزمان وهي الأوقات المفروض فيها إقامة الصلوات المفروضات فقال تعالى ' فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ' وربطها بأماكن وهي المساجد قال تعالى ' في بيوت أذن الله أن ترفع ' أي أمر الله أن ترفع حتى تتميز البيوت المنسوبة إلى الله من البيوت المنسوبة إلى المخلوقين ويذكر فيها اسمه بالأذان والإقامة والتلاوة والذكر والموعظة يسبح يقول يصلي له فيها أي من أجل أن أمرهم الله بالصلاة فيها بالغدو والآصال رجال ولم يذكر النساء لأن الرجل يتضمن المرأة فإن حواء جزء من آدم فاكتفى بذكر الرجال دون النساء تشريفا للرجال وتنبيها على لحوق النساء بالرجال فسمى النساء هنا رجالا فإن درجة الكمال لم تحجر عليهن بل يكملن كما تكمل الرجال وثبت في الخبر كمال مريم وآسية امرأة فرعون فقال لا تلهيهم تجارة أي لا تشغلهم تجارة ولا بيع فالتجارة أن يبيع ويشتري معا والبيع أن يبيع فقط فمدحهم بالتجارة وهو البيع والشراء في أي شيء كان مما أمر الله بالتجارة فيه قال تعالى ' هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ' وقال في البيع ' إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ' وهو الثمن وجعلها الثمن للحديث الوارد في الخصمين من الظالم والمظلوم إذا أصلح الله بين خلقه يوم القيامة فيأمر الله المظلوم أن يرفع رأسه فينظر إلى عليين فيرى ما يبهره حسنه فيقول يا رب لأي نبي هذا لأي شهيد هذا فيقول الله تعالى لمن أعطاني الثمن قال ومن يملك ثمن هذا قال أنت بعفوك عن أخيك هذا فيقول يا رب قد عفوت عنه فيقول خذ بيد أخيك فادخل الجنة ولما أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث تلا ' فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة فالمؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة والبيع فيما ملك بيعه وما صرح الله فيه بأنه يشتري خاصة فإن التجارة معاوصة وقبض ثمن والبيع بيع ما يملكه والشراء شراء ما ليس عندك وما وصف بالشراء في القرآن إلا من أشهدهم الله عن جناية فقال ' أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ' وقال ' إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ' والسبب في أن المؤمن ما وصفه الله بالشراء فإنه خلقه الله وملكه جميع ما خلق الله في أرضه الذي هو مسكنه ومحله فقال ' خلق لكم ما في الأرض جميعا ' فجميع ما في الأرض ملكه فما بقي له ما يشتريه وحجر عليه الضلالة وهي صفة عدمية فإنها عين الباطن وهو عدم ولم يأمرنا الله باعتباعه فإنه من العدم خرجنا إلى الوجود فلا نطلب ما خرجنا منه هذا تحقيقه لأنه خلقنا لنعبده فإذا اشترينا الضلالة بالهدى فقد اخترنا العدم على الوجود والباطل على الحق الذي خلقنا له فلم يصف المؤمن بالشراء ومما ملكه الله ما هو مباح له وما هو واجب عليه أن لا يخرجه ولا يبيعه وهي الواجبات والفرائض فيبيع صنف المباحات بالواجبات فلهذا شرع له البيع فيما أبيح له بيعه فالمؤمن الكيس الفطن ينظر الوقت الذي يكون فيه بحكم الإباحة يقول مالي ربح في هذا الملك والدنيا دار تجارة فلنبع هذا المباح بواجب فهو أولى بي ولا نخسر وقتي فيكون في فرجة مع إخوانه فيقول يا رب أحب أن أبيع هذا المباح بواجب فيقول الله له ذلك إليك فيبيع الفرجة بالاعتبار فيما يعطيه ذلك المكان من الحسن والجمال من الدلالة على الله عز وجل فيفكر في حسن خلق الله وكماله وجماله فتكون فرجته أتم وأفرح لقلبه وليس من المباح في شيء فإنه قد باعه بهذا الواجب فاعتبر الحق جانب البيع ولم يعتبر في في حق المؤمن جانب الابتياع فكان المؤمن ملك حلة الإباحة وحلة الوجوب فخلع عن نفسه حلة الإباحة وليس حلة الوجوب وكلاهما له فسمى خلعه لها بيعا وما سمى لباسه للوجوب شراء فإنها ملكه ورحله ومتاعه والإنسان لا يشتري ما يملكه ولما حجر الله الضلال على خلقه ورجح من رجح منهم الضلال على الهدى اشتروا الضلالة فإنهم لم يكونوا يملكونها بالهدى الذي ملكهم الله إياه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين في ذلك الشراء لأن الله ما شرع لعباده الشراء ثم قال تعالى بعد قوله ' ولا بيع عن ذكر الله ' أي لا يلهيهم شيء عن ذكر الله حين سمعوا المؤذن في هذا البيت يدعو إلى الله وهو حاجب الباب فقال لهم حي على الصلاة أي أقبلوا على مناجاة ربكم فإنه قد تجلى لكم في صدر بيته وهي القبلة فإن الله في قبلة العبد فبادر أهل الله من بيعهم وتجارتهم المعلومة في الدنيا إلى هذا الذكر عندما سمعوه فأقاموا الصلاة أي أتموا نشأتها حين أنشؤها بحسن الائتمام بإمامهم وحسن الركوع والسجود وما تتضمنه من ذكر الله الذي هو أكبر ما فيها كما أخبر الله تعالى فقال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بسبب تكبيرة الإحرام فإنه حرم عليه التصرف في غير الصلاة مادام في الصلاة فذلك الإحرام نهاه عن الفحشاء والمنكر فانتهى فصح له أجر من عمر بأمر الله وطاعته وأجر من انتهى عن محارم الله في نفس الصلاة وإن كان لم ينو ذلك وانظر ما أشرف الصلاة كيف أعطت هذه المسئلة العجيبة وهي أن الإنسان إذا تصرف في واجب فإن له ثواب من تصرف في واجب ويتضمن شغله بذلك الواجب عدم التفرغ لما نهى عنه أن يأتيه من الفحشاء والمنكر فيكون له ثواب من نوى أن لا يفعل فحشاء ولا منكرا فإن أكثر الناس تاركون ما لهم هذا النظر لعدم الحضور باستحضار الأولى ولو لم يكن الأمر كذلك لما أعطى فائدة في قوله ' إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ' والصلاة فعل العبد فهو بصلاته ممن ينهى عن الفحشاء والمنكر فيكون له بالصلاة أجر من ينهى عن الفحشاء والمنكر وهو لم يتكلم فله أجر عبادتين أجر الصلاة وهي عبادة وأجر النهي عن الفحشاء وهو عبادة وقليل من اصحابنا من يجعل ذهنه في عباداته إلى أمثال هذه المراقبات في التعريف الإلهي على لسان الشارع في الكتاب والسنة ثم قال ولذكر الله أكبر يعني فيها فهو أكبر من جملة أفعالها فإنها تشتمل على أقوال وأفعال فقال ولذكر الله في الصلاة أكبر أحوال الصلاة وما كل أقوال الصلاة ذكر فإن فيها الدعاء وقد فرق الحق بين الذكر والدعاء فقال من شغله ذكري عن مسئلتي وهي الدعاء فما هو الذكر هنا الذكر الخارج عن الصلاة حتى ترجحه على الصلاة إنما هو الذكر الذي في الصلاة فهذا من ربط الصلاة بالمكان والحال ومن أحوال إقامة الصلاة فيمن أمر غيره بالبر ونسي نفسه توبيخ الله من هذه صفته وجعله إياه بمنزلة من لا عقل له فقال ' أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ' والبر من جملة أحوال الصلاة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أقرت الصلاة بالبر والسكينة ثم أمر من هذه صفته أن يستعين بالصبر والصلاة يعني بالصبر على الصلاة فقدم حبس النفس عليها فإن الله يسقول وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها فأنث يريد الصلاة وأما قوله وأنتم تتلون الكتاب فإنكم تجدون فيه قوله ' كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ' في أثر قوله ' يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ' وهذه حالة من أمر بالبر غيره ونسي نفسه أفلا تعقلون يقول أما لكم عقول تنظرون بها قبيح ما أنتم عليه ثم ذكر الخشوع للصلاة فقال وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فإن الخشوع لله لا يكون إلا عن تجل إلهي والصلاة مناجاة فلابد من تجل إن رأيته خاشعا وإن لم يخشع في صلاته فما صلى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل التجلي الإلهي سببا لوجود الخشوع في القلب ولاسيما في الصلاة والتجلي لأكثر الناس إما بالحضور وهو لإفراد وإما بالاستحضار الخيالي وهو الغالب في عموم الخواص فإن الله في قبلة المصلي وأما خشوع الأكابر الذين التحقوا بالملأ الأعلى فخشوعهم عن التجلي الحقيقي فيهم في صلاتهم دائمون وإن أكلوا وشربوا ونكحوا واتجروا فأمرهم الله تعالى إذا كانوا في مثل هذه الحال أن يستعينوا بالصلاة والصبر عليها فإن المصلي يناجي ربه فإذا حصل العبد في محل المناجاة مع ربه دائما استلزمه الحياء من الله فلا يتمكن له أن يأمر أحدا ببر وينسى نفسه منه بل يبتدىء بنفسه والبر هو الإحسان والخير ومن جملة ذلك أن يكون محتاجا للقمة يأكلها ويرى غيره محتاجا إليها والحاجة على السواء فيعطي غيره وينسى نفسه وقد قال له ربه ابدأ بنفسك وشرع له ذلك حتى في الدعاء إذا دعا الله لأحد أن يبدأ بنفسه أحق وغذاء الأرواح الطاعات فهي محتاجة إليها ومن جملة طاعاتها الأمر بالطاعات فيقوم هذا الغافل القليل الحياء من الله فيأمر غيره بالبر وهو على الفجور وينسى نفسه فلا يأمرها بذلك فهو بمنزلة من يغذي غيره ويترك نفسه وهو في غاية الحاجة إلى ذلك الغذاء ونفسه أوجب عليه من ذلك الغير والسبب في ذلك ما أبينه لك إن شاء الله وصل وذلك أن جميع الخيرات صدقة على النفوس أي خير كان حسا ومعنى فينبغي للمؤمن أن يتصرف في ذلك بشرع ربه لا بهواه فإنه عبد مأمور تحت أمر سيده فإن تعدى شرع ربه في ذلك لم يبق له تصرف إلا هوى نفسه فسقط عن تلك الدرجة العلية إلى ما هو دونها عند العامة من المؤمنين وأما عند العارفين فهو عاص فإذا خرج الإنسان بصدقته فأول محتاج يلقاه نفسه قبل كل نفس محتاجة وهو إنما أخرج الصدقة للمحتاجين فإن تعدى أول محتاج فذلك لهواه لا لله فإن الله قال له ابدأ بنفسك وهي أول من يلقاه من أهل الحاجة وقد شرع له في الإحسان أن يبدأ بالجار الأقرب فالأقرب فإن رجح الأبعد في الجيران على الأقرب مع التساوي في الحاجة فقد اتبع هواه وما وقف عند حد ربه وهذا سار في جميع أفعال البر وسبب ذلك الغفلة عن الله تعالى فأمر بالصفة التي تحضره مع الله وهي الصلاة وصل ومن تأثير اللاة بالحال قول الله للمؤمنين ' اذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ' فأمرهم بالذكر والشكر أمرهم أن يستعينوا على ذلك بالصبر والصلاة وأخبرهم أن الله مع الصابرين عليها وعلى كل مشقة ترضي الله مما كلف عباده بها لأن الصبر من المقامات المشروطة بالمشقات والمكاره والشدائد المعنوية والحسية وجعل الصبر هنا لما ذكرناه وللتطابق في قوله واشكرو لي ولا تكفرون والشكر من المقامات المشروطة بالنعماء والمحبة ليس للبلاء في الشكر دخول ولا للصبر في النعم دخول كما يراه من لا معرفة له بحقائق الأمور فالصلاة هنا والصبر عليها وهو الدوام والثبات وحبس النفس عليها مؤثرة في الذكر والشكر فالصبر هنا هو قوله ' وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ' فلذلك ذكر الصبر مع الصلاة فكما يؤثر الصبر على الذكر والشكر في الذكر والشكر كذلك يؤثر في الصلاة سواء وتؤثر الصلاة من حيث الصبر عليها في الذكر والشكر ومن حيث هي صلاة وذلك أن الصلاة مناجاة بين الله وبين عبده فإذا ناجى العبد ربه فأولى ما يناجيه به من الكلام كلامه الذي شرع له أن يناجيه به وهو قراءة القرآن في أحوال الصلاة من قيام وهو قراءة الفاتحة وما تيسر معها من كلامه ومن ركوع وهو قوله تعالى فسبح باسم ربك العظيم في ركوعه فهو ذاكر ربه في صلاته بكلامه المنزل وكذلك في سجوده يقول سبحان ربي الأعلى فإنه لما نزل قوله ' سبح اسم ربك الأعلى ' قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' اجعلوها في سجودكم ' فأمرنا الله بذكره وشكره والفاتحة تجمع الذكر والشكر وهي التي يقرأها المصلي في قيامه فالشكر فيها قوله ' الحمد لله رب العالمين ' وهو عين الذكر بالشكر إلى كل ذكر فيها وفي سائر الصلاة فذكر الله في حال الصلاة وشكره أعظم وأفضل من ذكره سبحانه وشكره في غير الصلاة فإن الصلاة خير موضوع العبادات وقد أثرت هذه الصلاة في الذكر هذا الفضل وهو يعود على الذاكر وينبغي لكل من أراد أن يذكر الله تعالى ويشكره باللسان والعمل أن يكون مصليا وذاكرا بكل ذكر نزل في القرآن لا في غيره وينوي بذلك الذكر والدعاء الذي في القرآن ليخرج عن العهدة فإنه من ذكره بكلامه فقد خرج عن العهدة فيما ينسب في ذلك الذكر إلى الله وليكون في حال ذكره تاليا لكلامه فيقول من التسبيحات ما في القرآن ومن التحميدات ما في القرآن ومن الأدعية ما في القرآن فتقع المطابقة بين ذكر العبد بالقرآن لأنه كلام الله وبين ذكر الله إياه في قوله ' أذكركم فيذكر الله الذاكر له أيضا وذكره كلامه فتكون المناسبة بين الذكرين فإذا ذكره بذكر يخترعه لم تكن تلك المناسبة بين كلام الله في ذكره للعبد وبين ذكر العبد فإن العبد هنا ما ذكره بما جاء في القرآن ولا نواه وإن صادفه باللفظ ولكن هو غير مقصود ثم إن هذا الذكر بالقرآن جاء في الصلاة فالتحق بالأذكار الواجبة والأذكار الواجبة عند الله أفضل فإن العبد مأمور بقراءة الفاتحة في الصلاة ولهذا أوجبها من أوجبها من العلماء وكذلك العبد مأمور بالتسبيح في الركوع والسجود بما نزل في القرآن وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم ' فأمر والمصلي مأمور أن يسبح الله ثلاثة فما زاد في ركوعه بما أمر به وفي سجوده ثلاثة فما زاد بما أمر به وذلك أدناه وأمره محمول على الوجوب ولهذا رأى بعض العلماء وهو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه أن ذلك واجب وأنه من لم يسبح ثلاث مرات في ركوعه وسجوده لم تجز صلاته وقال الله تعالى استعينوا على ذكري وشكري بالصبر والصلاة فلولا ما علم الحق أن الصلاة معينة للعبد لما أمره بها فأنزلها منزلة نفسه فإن الله قال للعبد قل ' وإياك نستعين ' يعني في عبادتك فجعل للعبد أن يستعين بربه وأمره أن يستعين في ذكره وشكره بالصلاة فأنزل الصلاة منزلة نفسه وفي معونة العبد على ذكره وشكره وناهيك يا ولي الله من حالة وصفة وحركات وفعل أنزله الحق في أعظم الأشياء وهو ذكر الله منزلة نفسه قال صلى الله عليه وسلم ' وجعلت قرة عيني في الصلاة وقرة عيني ما تسر به عند الرؤية والمشاهدة فالمصلي متلبس في صلاته بالحق مشاهد له مناج فجمعت الصلاة بين هذه الثلاثة الأحوال وكذلك قوله في هذه الآية واشكر وإلى يقال شكرته وشكرت له فشكرته نص في أنه المشكور عينه وقوله وشكرت له فيه وجهان الوجه الواحد أن يكون مثل شكرته والوجه الثاني أن يكون الشكر من أجله فإذا كان الشكر من أجله يقول له سبحانه اشكر من أولاك نعمة من عبادي من أجلي ليكون شكره للسبب عين شكره لله فإن شكره عن أمره وجعل المنعم هنا نائبا عن ربه وطاعة النائب طاعة من استخلفه من يطع الرسزل فقد أطاع الله فلهذا قال سبحانه واشكروا لي ولم يقل واشكروني ليعم الحالتين وقال في الوجهين استعينوا في ذلك بالصبر والصلاة كما أمر بالمعونة فيما يوجب الشكر وهو الإحسان بالإنعام فقال ' وتعاونوا على البر ' وهو الإحسان بالإنعام والتقوىأي اجعلوا ذلك وقاية وهي مناسبة للصلاة فإن الصلاة وقاية عن الفحشاء والمنكر مادام العبد متلبسا بها فإن الله سمى نفسه بالواقي والصلاة واقية والعبد متلبس بصلاته وهي وقاية مما ذكرناه والله هو الواقي فانظر ما أشرف حال الصلاة لمن نظر واستبصر فالسعيد من ثابر عليها وحافظ وداوم ومن شرفها أن الله ما علق الوعيد إلا بمن سها عنها لا فيها فقال ' فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ' ولم يقل في صلاتهم فإن العبد في صلاته بين مناج ومشاهد فقد يسهو عن مناجاته لاستغراقه في مشاهدته وقد يسهو عن مشاهدته لاستغراقه في مناجاته مما يناجيه به من كلامه ولما كان كلامه سبحانه مخبرا عما يجب له من صفات التنزيه والثناء ومخبرا عما يتعلق بالأكوان من أحكام وقصص وحكايات ووعد ووعيد جال الخاطر في الأكوان لدلالة الكلام عليها وهو مأمور بالتدبر في التلاوة فربما استرسل في ذلك الكون لمشاهدته إياه فيه فيخرج من كون ذلك الكون مذكورا في القرآن إلى عينه خاصة لا من كونه مذكور الله على الحد الذي أخبر به عنه فيسمى مثل هذا إذا أثر شكا له في صلاته فلا يدري ما مضى من صلاته فشرع أن يسجد سجدتي سهو يرغم بهما الشيطان ويجبر بهما النقصان ويشفع بهما الرجحان فتتضاعف صلاته فيتضاعف الأجر وذلك في النفل والفرض سواء وما توعد الله بمكروه من سها في صلاته فمن تنبه لما ذكرناه وأومأنا إليه يعلم فضل الله ورحمته بعباده والناس عن مثل هذا غافلون فلا يعرف شرف العبادات إلا عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ولا برهان جعلنا الله وإياكم ممن صبر وصلى وسبق وما صلى بمنه ويمنه .
Página 661