Las iluminaciones de La Meca
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Editorial
دار إحياء التراث العربي
Edición
الأولى
Año de publicación
1418هـ- 1998م
Ubicación del editor
لبنان
وهذه الأسباب حجابه . . . فلا تكن إلا مع الله فانظر في نفسك فإن وجدت أن القلب سكن إليها فإنهم إيمانك وأعلم أنك لست ذلك الرجل وإن وجدت قلبك ساكنا مع الله واستوى عندك حالة فقد السبب وحالة وجوده ولكن مع الفقد يكون ذلك فاعلم أنك ذلك الرجل الذي آمن ولم يشرك بالله شيء وأنك من القليل فإن رزقك من حيث لا تحتسب فذلك بشرى من الله إنك من المتقين ومن سر هذه الآية أن الله وأن رزقك من السبب المعتاد الذي في خزانتك وتحت حكمك تصريفك ولا بد مما بيدك ومن الحاصل عندك فما رزقك إلا من حيث لا تحتسب وإن أكلت وارتزقت من ذلك الذي بيدك فاعلم ذلك فإنه معنى دقيق ولا يشعر به إلا أهل المراقبة الإلهية الذين يراقبون بواطعهم وقلوبهم فإن الوقاية ليست إلا لله تمنع العبد من أن يصل إلى الأسباب بحكم الاعتماد على الله عز وجل وهذا هو معنى قوله يجعل له مخرجا فهذا مخرج التقوى في هذه الآية ويه وصية الله عبده وأعلامه بما هو الأمر عليه وصية احذر يا ولي أن تريد علوا في الأرض والزم الخمول وإن أعلى الله كلمتك فما أعلى غلا الحق وإن رزقك الرفعة في قلوب الخلق فذلك إليه عز وجل والذي يلزمك التواضع والذلة والانكسار فإنه إنما أنشأك من الأرض فلا تعلوا عليها فإنها أمك ومن تكبر على أمه فقد عقها وعقوق الوالدين حرام ثم إنه قد ورد في الحديث أن حقا على أن حقا على الله أن لا يرفع شيء من الدنيا إلى وضعه فإن كنت أنت ذلك الشيء فانتظر وضع الله إياك وما أخاف على من هذه صفته إلا أن الله تعالى إذا وضعه في النار وذلك إذا رفع ذ لك الشيء نفسه لا إذا رفعه الله فذلك ليس إليه إلا أنه لا بد أن يراقب الله فيما أعطاه من الرفعة في الأرض بولاية وتقدم يخدم من أجله ويغشى بأبه ويلزم كأبه فلا يبرح ناظرت في عبوديته وأصله فإنه خلق من ضعف ومن أصل موصوف بأنه ذلول ويعلم أن تلك الرفعة إنما هي للرتبة والمنصب ولا لذاته فإنه إذا عزل عنها لم يبق له ذلك الوزن الذي كان يتخيله وينتقل ذلك إلى من أقامه الله في تلك المنزلة فالعلو للمنزلة لا لذاته فمن أراد العلو في الأرض فقد أراد الولاية فيها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الولاية أنها يوم القيام حسرة وندامة فلا تكن من الجاهلين فالذي أوصيك به أنك لا تريد علوا في الأرض وأن أعطاك الله لا تطلب أنت من الله لا أن تكون في نفسك صاحب ذلة ومسكنة وخشوع فإنك لن تحصل ذلك إلا أن يكون الحق مشهدا لك وليس مدار الخلق وإلا كابر إلا على أن يحصل لهم مقام الشهود فإنه الوجود المطلوب وصية وعليك بالاغتسال في كل يوم جمعة واجعله قبل رواحك إلى صلاة الجمعة وإذا اغتسلت فانوي فيه أنك تؤدي واجبا فإنه قد ورد في الصحيح أن غسل الجمعة واجب على كل مسلم وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام فيجمع بني الحديثين يغسل الجمعة وذلك أن الله خلق سبعة أيام وهي أيام الجمعة فإذا انقضت جمعة دارت الأيام فيه الجديدة الدائرة فلا تنصرف عنك دورة إلا عن طهارة تحدثها فيها إكراما لذاتها وتقديسا وتنظيفا كما جاء في السواك أنه مطهرة للفم ومرضاة للرب وكذلك الغسل في الأسبوع مطهرة للبدن ومرضاة للرب أي العبد فعل فعلا يرضي الله به من حيث أن الله أمره بذلك فامتثل أمره وصية إياك والمرا في شيء من الدين وهو الجدال فلا يخلوا من أحد أمرين إما أن تكون محقا أو مبطلا كما يفعل فقهاء زماننا اليوم في مجالس مناظراتهم ينوون في ذلك تلقيح خواطرهم فقد يلتزم المناظر في مذهبا لا يعتقده وقولا لا يرتضيه وهو يجادل به صاحب الحق الذي يعتقد فيه أنه حق ثم تخدعه النفس في ذلك بأن تقول له إنما نفعل ذلك لتلقيح الخاطر لا لإقامة الباطل وما علم أن الله عند لسان كل قائل وأن العامي إذا سمع مقالته بالباطل وظهوره على صاحب الحق وهو عنده أنه فقيه عمل العامي المقلد على ذلك الباطل لما رأي من ظهوره على صفة الحق وعجز صاحب الحق عن مقاومته فلا يزال الإثم يتعلق به مادام هذا السامع يعمل بما سمع منه ولهذا ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت أنه قال أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ومنه المراء في الباطل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وأنه صلى الله عليه وسلم قد ضمن بيتا في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ولما كانت الأخلاق الحسنة عبارة عن ان نفعل مع المتخلق معه الذي يصرف أخلاقه معه في معاملته إياه وعلمنا أن أغراض الخلق متقابلة وأنه إن أرضى زيدا اسخط عدوه عمرا ولا بد من ذلك فمن المحال أن يقوم في خلق كريم يرضى جميع الخلائق ولما رأينا أن الأمر على هذا الحد وأدخل الله نفسه مع عباده في الصحبة كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لربه أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأصل وقال وهو معكم أينما كنتم وقال إذ يقول لصاحبه لا تخزن إن الله معنا وقال إنني معكما أسمع وأرى قلنا فلا نصرف مكارم الأخلاق إلا في صحبة الله خاصة فكل ما يرضي الله نأتيه وكل ما لا يرضيه نجتنبه وسواء كانت المعاملة والخلق مما يخص جانب الحق أو تتعدى إلى الغير وأنها وإن تعدت إلى الغير فإنها مما يؤضى الله وسواء عندك سخط ذلك الغير أو رضى فإنه إن كان مؤمنا رضي بما يرضي الله وإن كان عدوا لله فلا اعتبار له عندنا فإن الله يقول إنما المؤمنون أخوة وقال لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة فحسن الخلق إنما هو فيا يرضي الله فلا تصرفه إلا مع الله سواء كان ذلك في الخلق أو بما يختص بجناب الله فمن راعي جناب الله انتفع به جميع المؤمنين وأهل الذمة فإن الله حقا على كل مؤمن في معاملة كل أحد من خلق الله على الإطلاق منكل صنف من ملك وجان وإنسان وحيوان ونبات وجماد ومؤمن وغير مؤمن وقد ذكرنا ذلك في رسالة الأخلاق لنا كتبنا بها إلى بعض إخواننا سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وهي جزء لطيف غريب في معناه فيه معاملة جميع الخلق بالخلق الحسن الذي يليق به وحسن الخلق بحسب أحوال من تصرفها فيه ومعه هذا أمر عام والتفصيل فيه لك بالواقع فانظر فيه فإنه أكثر من أن تحصى آحاده لما في ذلك من التطويل والله الموفق لا رب غيره وكذلك تجنب سفساف الأخلاق ولا نعرف مكارم الأخلاق من سفسافها إلا حتى تعرف مصارفها فإذا علمت مصارفها علمت مكارمها وسفسافها وهو علم خفي شريف فلا يفوتنك علم مصارف الأخلاق فإن ذلك يختلف باختلاف الوجوه وصية وعليك بالهجرة ولا تقم بين أظهر الكفار فإن في ذلك إهانة دين الإسلام وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله فإن الله ما أمر بالقتال إلا لتكون كلمة الله هي العليا ولكمة الذين كفروا السفلى وإياك والإقامة أو الدخول تحت ذمة كافر ما استطعت واعلم أن المقيم بين أظهر الكفار مع تمكنه من الخروج منبين ظرهانيهم لا حظ له في الإسلام فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد تبرأ منه ولا يتبرأ رسول الله عليه وسلم من مسلم وقد ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين فما اعتبر له كملة الإسلام وقال الله تعالى فيمن مات وهو بين أظهر المشركين إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ستضعفين في الأرض قال الله لهم ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم لهم والتحكم في المسلمين والمسلمون معهم على أسوأ حال نعوذ بالله من تحكم الأهواء فالزائرون اليوم البيت المقدس والمقيمون فيه من المسلمين هم من الذين قال الله فيهم ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون وصية وعليك باستعمال العلم في جميع حركاتك وسكانك فإن السخي الكامل السخا من يسخى بنفسه على العلم فكان بحكم ما شرع الله له فعلم وعمل وعلم من لم يعلم وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قبل العلم وعمل به وعلمه وذم نقيض ذلك فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشف الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ وكذلك من فقه في دين الله نفعه الله بما بعثني به فعلم وعمل وعلم ومثل من يرفع بذلك رأسا مثل القيعان التي لم تمسك ماء ولا أنبتت كلأ فكن يا أبي ممن علم وعلم ولا تكن ممن علم وترك العلم فتكون كالسراج أو كالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسك فإنك إذا عملت بما علمت جعل الله لك فرقانا ونورا وورثك ذلك العلم علما آخر لم تكن تعلمه من العلم بالله وبما لك فيه منفعة عند الله في آخرتك فاجهد أن تكون من العلماء العاملين المرشدين وصية وعليك بالتودد لعابد الله من المؤمنين بإفساء السلام وإطعام والسعي في قضاء حوائجهم وأعلم أن المؤمنين أجمعهم جسد واحد كإنسان واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى كذلك المؤمن إذا أصيب أخوه المؤمن بمصيبة فكأنه هو الذي أصيب بها فيتألم لتألمه ومتى لم يفعل ذلك المؤمن مع المؤمنين فما ثبتت أخوة الإيمان بينه وبينهم فإن الله قد واخى بين المؤمنين كما واخى بني أعضاء جسد الإنسان وبهذا وقع المثل من النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت وهو قوله صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توددهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وأعلم أن المؤمن كثير بأخيه وأن المؤمن لما كان من أسماء الله ما ينضاف إلى ذلك من خلقه على الصورة ثبت النسب والمؤمن أخو المؤمن لا يسلمه ولا يخذله فمن كان مؤمنا بالله من حيث ما هو الله مؤمن فإنه يصدقه في فعله وقوله وحاله وهذه هي العصمة فغن الله من كونه مؤمنا يصدقه الله إلا الصادق فإن تصديق الكاذب على الله محال فإن الكذب عليه محال وتصديق الكاذب كذب بلا شك فمن ثبت إيمانه من كون الله مؤمنا فإن هذا العبد لا شك أنه من الصادقين في جميع أموره مع الله لأنه مؤمن بالله ومؤمن به أيضا فتنبه لما دللتك عليه ووصيتك به في الإيمان بالله من كونه ثمنا تنتفع فإني قد أريتك الطريق الموصل إلى نيل ذلك واعتصم بالله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم فإن الله على صراط مستقيم وليس إلا ما شرعه لعباده وصية لا تكترث لما يصيبك الله به من الرزايا في مالك ومن يعز عليك من أهلك مما يسعى في العرف رزية ومصابا وقل إنا لله وإنا إليه راجعون عند نزولها بك وقل فيها كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصابتني من مصيبة إلا رأيت أن الله على فيها ثلاث نعم النعمة الواحدة حيث لم تكن المصيبة في ديني والنعمة الثانية حيث لم يكن ما هو أكبر منها فدفع الله بها ما هو أعظم منها والنعمة الثالثة ما جعل الله فيها من الأمر بالكفارة لما كنا نتوفاه من سيآت أعمالنا وأعلم أن المؤمن في الدنيا كثبر الرزايا لأن الله يحب أن يظهره حتى ينقلب إليه طاهرا مطهرا من دنس المخالفات التي كتب الله عليه في الدنيا أن يقام فيها فلا يزال المؤمن مرزا في عموم أحواله وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تصرعها الريح مرة وتعدلها أخرى وتهيج وصية عليك بتلاوة القرآن وتدبره وأنظر في تلاوتك إلى ما حد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله بها من أحبه من عباده فانصف بها وما ذم الله في القرآن من النعوت والصفات التي اتصف بها من مقته الله فاجتنبها فإن الله ما ذكرها هالك وأنزلها في كتابه عليك وعرفك بها ألا لتعلم بذلك فإذا قرأت القرآن فكن أنت القرآن لما في القرآن واجتهد أن تحفظه بالعلم كما حفظته بالتلاوة فإنه لا أحد أشد عذابا يوم القيامة من شخص حفظ أية ثم نسيها كذلك من حفظ آية ثم ترك العلم بها كانت عليه شاهدة يوم القيامة وحسرة وإنه قد ثبت عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم في أحوال من يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه من مؤمن ومنافق فقال صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب يعني بها التلاوة والقراءة فإنها أنفاس تخرج فشبهها بالروائح التي تعطيها الأنفاس وطعمها طيب يعنى به الإيمان ولذلك قال ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا فنسب الطعم للغيمان ولذلك . قال ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا فنسب الطعم للإيمان ثم قال ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الثمرة طعمها طيب من حيث أنه مؤمن ذو إيمان ولا ريح لها من حيث أنه غير نال في الحال التي لا يكون فيها تاليا وإن كان من حفاظ القرآن ثم قال ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الريحانة يحبها طيب لأن القرآن طيب وليس سوى أنفاس التالي والقارئ في وقت تلاوته وحال قراءته وطعمها مر لأن النفاق كفر الباطن لأن الحلاوة للإيمان لأنها مستلذة ثم قال ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها لأنه غير قارئ في الحال وعلى هذا المساق كل كلام طيب فيه رضى الله صورته من المؤمن والمنافق صورة القرآن في التمثيل غير أن القرآن منزلته لا تخفي ، فإن كلام الله لا يضاهي شيء من كل كلام مقرب إلى الله فينبغي للذاكر إذا ذكر الله متى ذكره أن يحضر في ذكره ذلك ذكرا من لا ذكار الواردة في القرآن فيذكر الله به ليكون قارئا في الذكر وإذا كان قارئا فيكون حاكيا للذكر الذي ذكر الله به نفسه وإذا كان كذلك فقد أنزل نفسه فيه منزلة ربه منه وهو قوله فاجره حتى يسمع كلام الله وقوله إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده ويقال للقارئ يوم القيامة اقرأ وارق ورقيه في الدنيا في أيام التكليف في قراءته أن يرقى من تلاوته إلى تلاوته بأن يكون الحق هو الذي يتلو على لسان عبده كما يكون سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر ويديه اللتين بهما يبطش ورجليه اللتين بهما يسعى كذلك في لسانه الذي به ينطق ويتكلم فلا يحمد الله ولا يسبحه ولا يهابه إلى بما ورد في القرآن عن استحضار منه لذلك فيرقى من قراءته بنفسه إلى قراءته بربه فيكون الحق هو الذي يتلو كتابه فيرتفع يوم القيامة في الآية التي ينتهي إليها في قراءته ويقف عندها إلى الدرجة التي تليق بتلك الآية التي يكون الحق هو التالي لها بلسان هذا العبد عن حضور من العبد التالي لذلك فإن أفضل الكلام كلام الله الخاص المعروف في العرف وصية وعليك بمجالسة من تنتفع بمجالسته في دينك من علم نشهده منه أو عمل يكون فيه أو خلق حسن يكون عليه فإن الإنسان إذا جالس من تذكره مجالسته الآخرة فلا بد أن يتحلى منها بقدر ما يوفقه الله لذلك وإذا كان الجليس له هذا التعدي فاتخذ الله جليسا بالذكر والذكر القرآن وهو أعظم الذكر قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر يعني القرآن وقال إنا جليس من ذكرني وقال صلى الله عليه وسلم أهل القرآن هم أهل الله وخاصته وخاصة الملك جلساؤه في أغلب أحوالهم والله له إلا خلاق وهي الأسماء الحسنى الإلهية فمن كان الحق جليسه فهو أنيسه فلا بد أن ينال من مكارم أخلاقه على قدر مدة مجالسته ومن جلس إلى قوم يذكرون الله فإن الله يدخله معهم في رحمته فهم القوم الذي لا يشقى جليسهم فكيف يشقى من كان الحق جليسه وقد ورد في الحديث الثابت أن الجليس الصالح كصاحب المسك إن لم يصبك منه أصابك من ريحه والجليس السوء كصاحب الكيران لم يصبك من شرره أصابك من دخانه وهو إنه من خالطه أصحاب الريب ارتيب فيه وذلك لما غلب على الناس من سوء لظن بالناس بحيث مواطنهم وهنا فائدة أنبهك عليها أغفلها الناس وهي تدعو إلى حسن الظن بالناس ليكون محلك طاهرا من السوء وذلك أنك إذا رأيت من يعاشر الأشرار وهو خير عندك فلا تشاء الظن به لصحبه الأشرار بل حسن الظن بالأشرار لصحبتهم ذلك الخير واجعل المناسبة في الخير لا في الشر فإن الله ما سأل أحدا قط يوم القيامة عن حسن الظن بالخلق ويسأله عن سوء الظن بالخلق ويكفيك هذا نصحا إن قبلت وصية إن قلت بها والذاكر ربه حياته متصلة دائما لا تنقطع إلا بالموت فهو حي وإن مات بحياة هي خير وأنتم من حياة المقتول في سبيل الله إلا أن يكون المقتول في سبيل الله من الذاكرين فهي حياة الشهيد وحياة الذاكر فالذاكر حتى وإن مات والذي لا يذكر الله ميت وإن كان في الدنيا من الأحياء فإنه حي بالحياة والحيوانية وجميع العلام حي بحياة الذكر فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت كذا مثله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ألا أنبئكم أو كما قال بخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضرب رقابكم وتضربون رقابهم ذرك الله فذكر ضرب لا رقاب وهو الشهادة وذكر العبد ربه أفضل من قتل الشهيد وثبت عنه أن الذاكر حي فخرج من ذلك أن حياة الذاكر خير من حياة الشهيد إذا لم يكن ذاكرا ربه عز وجل - وصية - وعليك إقامة حدود الله في نفسك وفيمن تملكه فإنك مسؤول من الله عن ذلك فإن كنت ذا سلطان تعين عليك إقامة حدود الله فيمن ولاك الله عليه فكلكم راع ومسؤول عن رعيته وليس سوى إقامة حدود الله فيهم وأقل الولايات ولايتك على نفسك وجوارحك فأقم فيها حدود الله إلى الخلافة الكبرى فإنك نائب الله على كل حال في نفسه فما فوقها وقد ورد الحديث الثابت في الذي يقيم حدود الله والواقع فيها فمثلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول استهموا على سفينة فأصاب بعضها أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين أسفلها إذا استقروا مروا على من فوقهم فقالوا إنا نخرق في نصيبنا لا نؤذي من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا فإذا خطر بأمرك بالخير فذلك لمة الملك ثم يأتي بعد ذلك خاطر ينهاك عن ذلك الخير إن تفعله فذلك لمة الشيطان ولا تعرف الخير والشر إلا بتعريف الشرع وإذا خطر لك خاطر يأمرك بفعل الشر فذلك لمة الشيطان فإذا أعقبه خاطر ينهاك عن فعل ذلك الشر فذلك لمة الملك وأنت السفينة إن انخرقت هلكت وهلك جميع من فيك فعليك بعلم الشريعة فإنك لن تعلم حدود الله حتى تقوم بها أو تعرف من يقع فيها ممن قام بها إلا أن تعلم علم الشريعة فيتعين عليك طلب علم الشريعة لإقامة حدود الله وصية وعليك بالصدقة فإن الله قد ذكر المتصدقين والمتصدقات وهي فرض ونقل فالفرض منها يسمى زكاة والنفل منها يسمى تصوعا والفرض منها يزول عنك اسم البخل وبصدقة التطوع منها تنال الدرجات العلى وتتصف بصفة الكرم والجود والإيثار والسخا وإياك والبخل ثم إنه عليك في مالك حق زائدة على الزكاة المفروضة وهو إذا رأيت أخاك المؤمن على حالة الهلاك بحيث أنك إذا لم تعطه من فضل مالك شيء هلك هو وعائلته إن كانت له عائلة فيتعين عليك أن تواسيه إما بالهبة أو بالقرض فلا بد من العطاء وذلك العطاء صدقة حتى إني سمعت بعض علمائنا باشبيلية يقول في حديث هل على غيرها يعني في الزكاة المفروضة قال لا إلا أن تطوع قال لي ذلك الفقيه فيجب عليك فاستحسنت ذلك منه رحمة الله وإنما سمى الله الإنسان متصدقا وسمى ذلك العطاء صدقة فرضنا كان أو نقلا لأنه أعطى ذلك عن شدة لكونه مجبولا على البخل فإن الله يقول ليه وإذا مسه الخير منوعا فقال صلى الله عليه وسلم في فضل الصدقة وزمانها أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وتأمل الحياة فإنه يخاف أن يفتقر ويذهب ما بيده من المال بطول حياته لنوائب الزمان وأمله بطول حياته فيؤديه ذلك إلى البخل بما عنده من المال والإمساك عن الصدقة والتوسعة على المحتاجين مما أتاه الله من الخير فهو يكنزه ولا ينفقه ولا يؤدي زكاته حتى يكوى به جنبه وجنبه وجنبيه وظهره كما قال تعالى فيهم يوم بحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وطهورهم هذا ما كنزتم لأنفسك فذوقوا ما كنتم تكنزون فلهذا العطاء عن شدة سميت صدقة يقول رمح صدق أي صلب وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا في البخيل والمتصدق فقال صلى الله عليه وسلم مثل البخيل ولمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهم إلى تراقبهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عليه حتى نجن ثيابه وتعفوا أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة فلصت وأخذت كل حلقة مكانها فإياك والبخل فإنه يرد بك ويوردك الموارد المهلكة في الدنيا والآخر ولا يجعلك تتكرم وتتصدق إلا استعمال العلم فإنك إذا علمت أن رزقك لا يأكله ولا يقتات به ولا يحيى به غيرك ولو اجتمع أهل السموات والأرض على أن يحولوا بينك وبين رزقك ما أطاقوا وإذا علمت أن رزق غيرك فيما أنت مالكه لا بد أن يصل إليه حتى يتغدى به ويحيى وإن أهل السموات والأرض لو اجتمعوا على أن يحولوا بينه وبين رزقك ما أطاقوا وإذا علمت أن رزق غيرك فيما أنت مالكه لا بد أن يصل غليه حتى بتعذي به ويحيى وأن أهل السموات والأرض لو اجتمعوا على أن يحولوا بينه وبين رزقه الذي هو في ملكك ما أطاقوا فادفع إليه ماله إذا خطر لك خاطر الصدقة تتصف بالكرم والثناء الجميل وأنت ما أعطيته إلا ما هو له بحق في نفس الأمر عند الله أنت محمود فإذا علمت هذا هان عليك إخراج ما بيدك ولحقت بأهل الكرم وكتبت في المتصدقين إن أخرجت ذلك عن تردد ومكابدة واقعية نفسك ورأيت بذلك أن لك فضلا على من أوصلته تلك الراحة فإياك أن تجهل على أحد كما تحب أن لا تجهل عليك وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول في تعوذاته وأعوذ بك أن أجهل أو يجعل على فمن حكم فيك بالعلم فقد أنصفك وصية وعليك بالجهل الأكبر وهو جهادك هواك فإنه أكبر أعدائك وهو أقرب الأعداء إليك الذين يلمونك فإنه بين جنبيك والله يقول سبحانه يا أيها الذين آمنا قاتلوا الذين بلونكم من الكفار ولا أكفر عندك من نفسك فإنها في كل نفس تكفر نعمة الله عليها من بعد ما جاءتها فإنك إذا جاهدت نفسك هذا الجاد خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء الذي إن قلت فيه كنت من الشهداء الأحياء الذين عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله مستبشرين بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وقد علمت فضل المجاهد في سبيل الله في حال جهاده حتى يرجع إلى أهله بما أكتسبه من أجرأ وغنيمة أنه كالصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا من صيام حتى يرجع المجاهد وقد علمت بالحديث الصحيح أن الصوم لا مثل له وقد قام الجهاد مقامه ومقام الصلاة وثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وهذا في الجهاد الذي فرضه الله تعالى المعين ويعصى الإنسان بتركه لا بد من ذلك ولا يزال العبد العالم الناصح نفسه المستبري لدينه في جهاد أبد إلا أنه مجبول على خلاف ما دعاه إليه الحق فإنه بالأصالة متبع هواه الذي هو بمنزلة الإدارة في حق الحق فيفعل الحق ما يريده فإننا كلنا عبيده ولا بد من ذلك ولا يزال العبد العالم الناصح نفسه المستبري لدينه في جهاد أبد إلا أنه مجبول على خلاف ما دعاه إليه الحق فإنه بالأصالة متبع هواه الذي هو بمنزلة الإرادة في حق الحق فيفعل الحق ما يريده فإننا كلنا عبيده ولا تحجير عليه وبريد الإنسان أن يفعل ما يهوى وعليه التحجير فما هو مطلق الإرادة فهذا هو السبب الموجب في كونه لا يزال مجاهدا أبدا ولذلك طلب أصحاب الهمم أن يلحقوا بدرجات العارفين بالله حتى يكون إرادتهم إرادة الحق أي يريدون جميع ما يريده الحق وهو ما هم الخلق عليه فيريدونه من حيث أن الله أراد إيجاده ويكرهون منه بكراهة الحق ما كرهه الحق ووصف نفسه بأنه لا يرضاه فهو يريده ولا يرضاه ويريده ويكرهه في عين إرادته أن أراد أن يكون مؤمنا وأن لم يكن كذلك وإلا فقد انسلخ من الإيمان نعوذ بالله من ذلك فإنه غاية الحرمان وهذا هو الحق الممقوت كما تقول في الغيبة أنها الحق المنهى عنه وصية وعليك بإسباغ الوضوء لالتذاذك به في زمان الحر فتتخيل إنك ممن أسبغ الوضوء عبادة وأنت ما أسبغته غلا لوجود الالتذاذ به لما أعطاه الحال والزمان من شدة الحر فإذا سبغته في شدة البرد صار لك عادة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير عادة فاصحب تلك النية في زمان الحر فإن غلبتك النفس على الإسباغ بما تجده من اللذة المحسوسة في ذلك فاعلم أن الالتذاذ هنا إنما وقع بدفع ألم الحر وإزالته فانو في ذلك دفع الألم عن نفسك ألا ترى قاتل نفسه كيف حرم الله عليه الجنة فحق النفس على صاحبها أعظم من حق الغير عليه فكذلك يؤجر في دفع الألم عن نفسه وإن الله يرفع بإسباغ الوضوء على المكاره فهذا محو الخطايا فإنه تنظيف وتطهير ثم قال وكثرة الخطايا إلى المساجد فإنه سلوك في صعود ومشي ثم قال تمام الحديث وهو وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط والرباط اللازمة من ربطت الشيء وبالانتظار قد ألزم نفسه فربط الصلاة بالصلاة المنتظرة بمراقبة دخول وقتها ليؤديها في وقتها وأي لزوم أعظم من هذا فإنه يوم واحد مقسم على خمس صلوات ما منها صلاة يؤديها فيفرغ منها إلا وقد ألزم نفسه مراقبة دخول وقت الأخرى إلى أن يفرغ اليوم ويأتي يوم آخر فلا يزال كذلك فما ثم زمان لا يكون فيه مراقبا تحت أداء الصلاة لذلك آكده بقوله ثلاث مرات فانظر إلى علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمور حتى أنزل كل من في الدنيا منزلته في الآخرة وعين حكمه وأعطاه حقه فذكر وضوء ومشيا وانتظار أو ذكر محوا ورفع درجة وربا ثلاث لثلاث هذا يدلك على شهوده مواضع الحكم ومن هنا وأمثاله قال عن نفسه أنه أوتي جوامع الكلم - وصية - وعليك بمراعاة كل مسلم من حيث هو مسلم وساو بينهم كما سوى الإسلام بينهم في أعيانهم ولا تقل هذا ذو سلطان وجاه وكبير وهذا صغير وفقير وحقير ولا تصغر حقيرا ولا كبيرا في ذمته واجعل الإسلام كله كالشحس الواحد والمسلمين كالأعضاء لذلك الشخص وكذلك هو الأمر فإن الإسلام ما له وجود إلا بالمسلمين كما أن الإنسان ما له وجود إلا بأعضاء وجميع قواه الظاهرة والباطنة وهذا الذي ذكرناه هو الذي راعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه من قوله في ذلك المسلمون تتكافئ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد واحدة على من سواهم وقال المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ومع كله ومع هذا التمثيل فأنزل كل واحد منزلته كما أنك تعامل كل عضو منك بما يليق به وما خلق له فتعض بصرك عن أمر لا يعطيه السمع وتفتح سمعك لشيء لا يعطيه البصر وتصرف يدك في أمر لا يكون لرجلك وهكذا جميع قواك فتنزل كل عضو منك فيما خلق له كذلك وإن اشترك المسلمون في الإسلام وساويت بينهم فأعط العالم حقه من التعظيم والإصغاء إلى ما يأتي به وأعط الجاهل حقه من تذكرك إياه وتنبيهه على طلب العلم والسعادة وأعط الغافل حقه بأن توقظه من نوم غفلته بالتذكر لما غفل عنه مما هو عالم به غير مستعمل علمه وكذلك الطائع والمخالف وأعط السلطان حقه من السمع والطاعة فيما هو مباح لك فعله وتركه فيجب عليك بأمره ونهيه أن تسمع له وتطيع فيعود لأمر السلطان ونهيه ما كان مباحا قبل ذلك واجبا أو محظورا بالحكم المشروع من الله في قوله وأولي الأمر منكم وأعط الصغير حقه من الرفق به والرحمة له والشفقة عليه وأعط الكبير حقه من الشرف والتوقير فإن من السنة رحمة الصغير وتوقير الكبير ومعرفة شرفه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا وفي حديث ويوقر كبيرنا وفي حديث ويوقر كبيرنا وعليك برحمة الخلق أجمع ومراعاتهم كانوا ما كانوا فإنهم عبيد الله وأن عضوا وخلق الله وأن فضل بعضهم بعضا فإنك إذا فعلت ذلك أو جرت فإنه صلى الله عليه وسلم قد ذكر أنه في كل ذي كبد رطبة أجر ألا ترى إلى الحديث الوارد في البغي أن بغيا من بغايا إسرائيل وهي الزانية مرت على كلب قد حرج لسانه من العطش وهو على رأس بئر فلما نظرت إلى حاله نزعت خفها وملأته بالماء من البئر وسقت الكلب فشكر الله فعلها فغفر لها بكلب وأخبرني الحسن الوجيه المدرس بملطية الفارسي عن والي بخارى وكان ظالما مسرفا على نفسه فرأى كلبا أجرب في يوم شديد البرد وهو ينتفض من البرد فأمر بعض شاكريته فاحتمل الكلب إلى بيته وجعله في موضع حار وأطعمه وسقاه ودفئ الكلب فرأى في النوم أو سمع هاتفا الشك مني يقول يا فلان كنت كلبا فوهبناك لكلب فما بقي إلا أيام يسيرة ومات فكان له مشهد عظيم لشفقته على كلب وأين المسلم من الكلب فافعل الخير ولا تبال فيمن تفعله تكن أنت ألا له ولتأت كل صفة محمودة من حيث ما هي من مكارم الأخلاق تتحلى بها وكن محلا لها لشرفها عند الله وثناء الحق عليها فاطلب الفضائل لأعيانها واجتنب الرذائل العرفية لأعيانها واجعل الناس تبعا لا تقف مع ذمهم ولا حمدهم إلا أنك تقدم الأولى ولي أم أردت أن تكون مع الحكماء المتأدبين بآداب الله التي شرعها للمؤمنين على ألسنة الرسل عليهم السلام وأعلم أن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وما في العالم إلا مؤمن لأن ما في العالم إلا من هو ساجد لله إلا بعض الثقلين من الجن والإنس فإن في الإنسان الواحد منهم كثيرا ممن يسبح الله ويسجد لله وفيه من لا يسجد لله وهو الذي حق عليه العذاب انظر في قوله يا أيها الذين آمنوا آمنوا فسماهم مؤمنين وأمرهم بالإيمان فالأول عموم الإيمان فإن الله قال في حق قوم والذين آمنوا بالباطل والثاني خصوص الإيمان وهو المأمور به والأول إقرار منهم من غير أن يقترن به الكيف بلك ذلك عن علم وأيسره في بني آدم حين أشهدهم على أنفسهم كما قال وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فخاطبهم بالمؤمنين حين أيه بهم ثم أمرهم بالإيمان في هذه الحالة لأخرى وما تعرض للتوحيد المطلق رحمة بهم فإنه القائل وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون الشرك الخفي وقد ذكرناه فلذلك قال لهم أمنوا بالله ولم يقل بتوحيد الله فمن آمن بوجود ا لله فقد آمن ومن آمن بتوحيده فما أشرك فالإيمان إثبات والتوحيد نفي شريك ومن أسماء الله المؤمن وهو يشد من المؤمن فافهم وصية كن عمري الفعل فإن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول من خدعنا في الله خدعنا له فاحذر يا أخي إذا رأيت أحد يخدعك في الله وأنت تعلم بخداعه إياك فمن كرم الأخلاق أن تنخدع له ولا توجده إنك عرفت بخداعه وتباله له حتى يغلب على ظنه أنه قد أثر فيك بخداعه ولا يدري أنك تعلم بذلك لأنك إذا قمت في هذه الصفة فقد وفيت الأمر حقه فإنك ما عاملت غلا الصفة التي ظهر لك بها والإنسان إنما يعامل الناس لصفاتهم لا لأعيانهم ألا تراه لو كان غير مخادع لوجب عليك أن تعامله بما ظهر لك منه وهو ما يسعد إلا بصدقه كما أنه يشقى بخداعه ونفاقه فإن المخادع منافق فلا تفضحه في خداعه وتجاهل له وانصبغ له باللون الذي أراده منك أن تنصبغ له به وادع له وارحمه عسى الله أن ينفعه بك ويجيب فيه صالح دعائك فإنك إذا فعلت هذا كنت مؤمنا حقا فإن المؤمن غر كريم لأن خلق الإيمان يعطى المعاملة بالظاهر والمنافق خب لئيم أي لئيم على نفسه حيث لم يسلك بها طريق نجاتها وسعادتها كن رداء وقميصا لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه في نفسه وعرضه وأهله وولده فإنك أخوه بنص الكتاب العزيز واجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما تزيل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة في وجهك كذلك فلتنزل عن أخيك المؤمن كل أذى يتأذى به في نفسه فإن نفس الشيء وجهه وحقيقته وصية واحفظ حق الجار والجوار وقدم الأقرب دارا إليك فالأقرب وتفقد جيرانك مما أنعم الله به عليك فإنك مسؤول عنهم وادفع الضرر مشتق من جار إذا مال فإن الجور الميل فمن جعله من الجور الذي هو الميل إلى الباطل والظلم في العرف فهو كمن يسمى اللديغ سليما في النقيض وفي هذا فغلبت حق الجوار كان الجار ما كان كأنه يقول وإن كان الجار من أهل الجور أي الميل إلى الباطل بشرك أو كفر فلا يمنعك ذلك منه عن مراعاة حقه فكيف بالمؤمن فحق الجار إنما هو على الجار وأعجب ما رويته في ذلك عن بعض شيوخنا فذكر من مناقب بعض الأعراب أن جراد أنزل بفناء بيته فخرجت الأعراب غليه بالعدد ليقتلوه ويأكلوه فقال لهم صاحب البيت ما تبتغون فقالوا نبتغي قتل جارك يريدون الجراد فقال لهم بعد أن سميتموه جاري فوالله لا أترك لكم سبيلا إليه وجرد سيفه يذب عنه مراعاة الحق الجوار فهذا كما سئل مالك بن أنس عن أكل خنزير البحر فقال هو حرام فقيل له أنه سمك من حيوان البحر الذي أحل الله أكله لنا فقال لهم مالك أنت سميتموه خنزيرا ما قلتم ما تقول في سمك البحر فاهجر ما نهاك الله عنه وقد نهاك عن أذى الجار فاهجر أذاته وادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وفيما زوينا من الأخبار في سبب نزول هذه الآية أن أعرابيا جاء إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم من المشركية من فصحاء العرب وقد سمع أن الله قد أنزل عليه قرآنا عجز عن معارضته فصحاء العرب فقال يا رسول الله هل فيما أنزل عليك ربك مثل ما قلته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قلت فقال الإعرابي قلتا فإن المؤمن غر كريم لأن خلق الإيمان يعطى المعاملة بالظاهر والمنافق خب لئيم أي لئيم على نفسه حيث لم يسلك بها طريق نجاتها وسعادتها كن رداء وقميصا لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه في نفسه وعرضه وأهله وولده فإنك أخوه بنص الكتاب العزيز واجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما تزيل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة في وجهك كذلك فلتنزل عن أخيك المؤمن كل أذى يتأذى به في نفسه فإن نفس الشيء وجهه وحقيقته وصية واحفظ حق الجار والجوار وقدم الأقرب دارا إليك فالأقرب وتفقد جيرانك مما أنعم الله به عليك فإنك مسؤول عنهم وادفع الضرر مشتق من جار إذا مال فإن الجور الميل فمن جعله من الجور الذي هو الميل إلى الباطل والظلم في العرف فهو كمن يسمى اللديغ سليما في النقيض وفي هذا فغلبت حق الجوار كان الجار ما كان كأنه يقول وإن كان الجار من أهل الجور أي الميل إلى الباطل بشرك أو كفر فلا يمنعك ذلك منه عن مراعاة حقه فكيف بالمؤمن فحق الجار إنما هو على الجار وأعجب ما رويته في ذلك عن بعض شيوخنا فذكر من مناقب بعض الأعراب أن جراد أنزل بفناء بيته فخرجت الأعراب غليه بالعدد ليقتلوه ويأكلوه فقال لهم صاحب البيت ما تبتغون فقالوا نبتغي قتل جارك يريدون الجراد فقال لهم بعد أن سميتموه جاري فوالله لا أترك لكم سبيلا غليه وجرد سيفه يذب عنه مراعاة الحق الجوار فهذا كما سئل مالك بن أنس عن أكل خنزير البحر فقال هو حرام فقيل له أنه سمك من حيوان البحر الذي أحل الله أكله لنا فقال لهم مالك أنت سميتموه خنزيرا ما قلتم ما تقول في سمك البحر فاهجر ما نهاك الله عنه وقد نهاك عن أذى الجار فاهجر أذاته وادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وفيما زوينا من الأخبار في سبب نزول هذه الآية أن أعرابيا جاء إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم من المشركية من فصحاء العرب وقد سمع أن الله قد أنزل عليه قرآنا عجز عن معارضته فصحاء العرب فقال يا رسول الله هل فيما أنزل عليك ربك مثل ما قلته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قلت فقال الإعرابي قلت وحي ذوي الأضغان تسبى عقولهم . . . تحيتك القربى فقد ترفع النفل
وإن جهروا بالقول فاعف تكرما . . . وإن ستروا عنك الملامة لم تبل
فإن الذي يؤذيك منه استماعه . . . وإن الذي قد قيل خلفك لم يقل
فأنزل الله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم فقال الإعرابي هذا والله هو السحر الحلال والله ما تخيلت ولا كان في علمي أنه يزاد أو يؤتى بأحسن مما قلته أشهد أنك رسول الله والله ما خرج هذا إلا من ذي ال فمثل هؤلاء عرفوا إعجاز القرآن يا ولي يكون هذا الإعرابي فيما وصف به نفسه بأكرم من الله في هذا الخلق في تحلم الأذى وإهار البشر والمخالفات عن العقوبة والعفو مع القدرة وتهوين ما يقبح على النفس والتغافل عمن أراد التستر عنك ما يشينه لو ظهر به والله أكرم منه وأكثر تجاوزا وعفوا وحلما وأصدق قيلا فإن هذا القول من العربي وإن كان حسنا فيما يدرى عند وقوع الفعل ما يكون منه والحق صادق القول بالدليل العقلي فما يأمر عكرمة إلا وهي صفته التي يعامل بها عباده ولا ينهى عن صفة مذمومة لئيمة إلا وهو أنزه عنها لا إله إلا هو العزيز بما وسوس إليه به في صدره من ظلم غيره فتنصره بأن عينه على دفع ما ألقى الشيطان عنده من تزيينه ظلم الغير حتى سمى بظالم فما نصرته إلا لكونه مظلوما لمن وسوس في صدره وحال بينه وبين الهدى الذي هو له ملك فابتاعه منه الشيطان بالضلالة فاشترى الضلالة بالهدى فسمى ظالما فإذا أبنت له أنت بنصحك وأفتيته أن هذا البيع مفسوخ لا يجوز شرعا فلا ينعقد وإن صفته خاسرة وتجارته بائرة فقد نصرته مع كونه ظالما فرجع عن ظلمه وتاب وذلك هو فسخ البيع يقول الله في مثل هؤلاء أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين فإياك أن تخذلك من استنصر بك وقد قال مع غناه عنك أن تنصروا الله ينصركم فطلب منكم أن تنصروه وما هو إلا هذا ولا تظلمه فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ومن كان سعيه في ظلمه لا يدري متى بقع في مهواه أو ما يؤذيه في طريقه من هو أم يكون في أذاه هلاكه وأوصيك لا تحقر أحدا من خلق الله فإن الله ما احتقره حين خلقه
لا تحقرن عباد الله إن لهم . . . قدر أولو جمعت لك المقامات
فلا يكون الله يظهر العناية بإيجاد من أوجد من عدم وتحقره أنت فإن في ذلك تسفيه من أوجده واحتقاره نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين فإن هذا من أكبر الكبائر فالكل نعم الله يتغذى بها عباد الله كانوا ما كانوا قال صلى الله عليه وسلم لا تحقرن أحدا كن ما تهديه لجارتها ولو فرسن شاة فإن الاحتقار جهل محض ولا تكمن لعانا ولا سبايا ولا سخايا فإن لعن المؤمن مثل قتله سواء لقي عيسى عليه السلام خنزير أفقال لذابح بسلام فقيل له في ذلك فقال عليه السلام ما أريد أن أعود لساني الأقول الخير كن حديثا حسنا وفي ذلك قلبت
إنما الناس حديث كلهم . . . فلتكن خير حديث يسمع
وإذا شاكتك منهم شوكة . . . فلتكن أقوى مجن يدفع
وإذا ما كنت فيهم هكذا . . . أنت والله إمام ينفع
إنما الشمعة تؤذى نفسها . . . وهي للناظر نور يسطع
إنما اللوم الذي تعرفه . . . نعمة في يد شخص يمنع
Página 462