أما غير دمشق من مدن الشام فكانت مقفرة من المدارس تقريبا إلا حلب، وهي أكبر مدن سوريا، وقد عمرت قديما بكثير من المدراس، ولكنها خربت على يد العثمانيين، وجاء في تقويم 1332ه-1912 أن بحلب الشهباء اثنتنين وثلاثين مدرسة، وما نظن العامر منها يتجاوز العشر1.
وإذا كانت دمشق وحلب لم يسعدهما الحظ بالنهوض السريع، فإن نصارى لبنان كانوا أسبق إلى اليقظة من إخوانهم المسلمين في دمشق وغيرها، بفضل الإرساليات التبشيرية، ولصلة النصارى الدائمة بأوربا المسيحيحة, يستمدون منها القوة ضد الدولة العثمانية المغتصبة.
وكان التعليم في لبنان -كما كان غيره- دينيا، ومن أوائل المدارس التي أسست فيه "مدرسة عين ورقة" سنة 1789، وكانت ديرا, ثم حولت إلى مدرسة، وكانت تدرس فيها اللغة السريانية، والعربية، والفصاحة، والمنطق, واللاهوت.
ولكن المدارس لم تنتشر، والنهضة لم تعم البلاد إلا في الربع الثاني من القرن التاسع عشر, حين أسست مدرسة "عينطورا" سنة 1834م, ولا تزال مفتوحة الأبواب حتى اليوم, وقد تعلم فيها عدد من زعماء النهضة اللبنانية الحالية.
ولما وفد على لبنان الدكتور "فانديك" الأمريكي مبشرا بالدين المسيحي, والمذهب البروتستانتي، ورأى البلاد في حاجة للمدارس العلمية, أنشأ مدرسة "عبية" سنة 1847.
كانت كل هذه المدارس في الجبل؛ لأنه موئل المسيحية، فلما وقعت مذابح سنة 1860, ونزح كثير من أهل الجبال إلى بيروت, ابتدأت الإرساليات تفتح المدارس فيها، ومن ذلك الوقت تبتدئ النهضة الحقيقية بلبنان.
وأقدم مدرسة أنشئت ببيروت كانت للبنات اليتامى اللاتي فقدن آباءهن في مذابح سنة 1860, وأسستها "مسز طمسن" في تلك السنة، ثم المدرسة الكلية الإنجليزية الأمريكية للبنات سنة 1861.
Página 115