Fath Qadir
فتح القدير
Editorial
دار ابن كثير،دار الكلم الطيب - دمشق
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤١٤ هـ
Ubicación del editor
بيروت
Regiones
•Yemen
Imperios y Eras
Imanes zaydíes (Yemen Saʿda, Saná), 284-1382 / 897-1962
والخطبة التي خطبها فِي الْحَجِّ وَالْخُطْبَةِ الَّتِي خَطَبَهَا فِي النِّكَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَنَاسَبَ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ الْكَائِنِ فِي الْعَزَاءِ وَالْإِنْشَاءِ الْكَائِنِ فِي الْهَنَاءِ وَمَا يُشَابِهُ ذَلِكَ، لَعُدَّ هَذَا الْمُتَصَدِّي لِمِثْلِ هَذَا مُصَابًا فِي عَقْلِهِ، مُتَلَاعِبًا بِأَوْقَاتِهِ، عَابِثًا بِعُمْرِهِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَالِهِ وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، وَهُوَ رُكُوبُ الْأُحْمُوقَةِ فِي كَلَامِ البشر، فكيف نراه يَكُونُ فِي كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الَّذِي أَعْجَزَتْ بَلَاغَتُهُ بُلَغَاءَ الْعَرَبِ، وَأَبْكَمَتْ فَصَاحَتُهُ فُصَحَاءَ عَدْنَانَ وَقَحْطَانَ. وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ مُقَصِّرٍ وَكَامِلٍ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَصَفَ هَذَا الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ،
وَأَنْزَلَهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَسَلَكَ فِيهِ مَسَالِكَهُمْ فِي الْكَلَامِ، وَجَرَى بِهِ مَجَارِيَهُمْ فِي الْخِطَابِ. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ خَطِيبَهُمْ كَانَ يَقُومُ الْمَقَامَ الْوَاحِدَ فَيَأْتِي بِفُنُونٍ مُتَخَالِفَةٍ، وَطَرَائِقَ مُتَبَايِنَةٍ فَضْلًا عَنِ الْمَقَامَيْنِ، فَضْلًا عَنِ الْمَقَامَاتِ، فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ مَا قَالَهُ مَا دَامَ حَيًّا، وَكَذَلِكَ شَاعِرُهُمْ. وَلْنَكْتَفِ بِهَذَا التَّنْبِيهِ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَعَثَّرَ فِي سَاحَاتِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْبَحْثَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا قَدِ انْتَقَلَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَبْلَهُ مَعَ أَبِي الْبَشَرِ آدَمَ ﵇، فَإِذَا قَالَ مُتَكَلِّفٌ: كَيْفَ نَاسَبَ هَذَا مَا قَبْلَهُ؟ قُلْنَا: لَا كَيْفَ.
فَدَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ فِي حُجُرَاتِهِ ... وَهَاتِ حَدِيثًا مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ
قَوْلُهُ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ إِسْرَائِيلَ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈ ومعناه عبد الله، لأن إسرا فِي لُغَتِهِمْ: هُوَ الْعَبْدُ وَإِيلُ هُوَ اللَّهُ، قِيلَ: إِنَّ لَهُ اسْمَيْنِ، وَقِيلَ: إِسْرَائِيلُ لَقَبٌ لَهُ، وَهُوَ اسْمٌ عَجَمِيٌّ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَفِيهِ سبع لغات: إسرائيل بزنة إبراهيم، وإسرائيل بِمَدَّةٍ مَهْمُوزَةٍ مُخْتَلَسَةٍ رَوَاهَا ابْنُ شَنَبُوذَ عَنْ وَرْشٍ، وَإِسْرَائِيلُ بِمَدَّةٍ بَعْدَ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ وَلَا مَدٍّ وإسرائيل بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ. وَإِسْرَاءَلُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَتَمِيمٌ يَقُولُونَ إِسْرَائِينُ. وَالذِّكْرُ هُوَ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ذِكْرِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَا كَانَ بِالْقَلْبِ فَهُوَ مَضْمُومُ الذَّالِ، وَمَا كَانَ بِاللِّسَانِ فَهُوَ مَكْسُورُ الذَّالِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ: اذْكُرُوا شُكْرَ نِعْمَتِي، فَحَذَفَ الشُّكْرَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ النِّعْمَةِ، وَهِيَ اسْمُ جِنْسٍ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ وَالْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَخْرَجَ لَهُمُ الْمَاءَ مِنَ الْحَجَرِ، وَنَجَّاهُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالْعَهْدُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْعَهْدِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا هُوَ؟ فَقِيلَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ «١» وَقِيلَ: هُوَ مَا فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا «٢» وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ «٣» وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقِيلَ: هُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أَيْ بِمَا ضَمِنْتُ لَكُمْ مِنَ الْجَزَاءِ. وَالرَّهَبُ وَالرَّهْبَةُ: الْخَوْفُ، وَيَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِهِ مَعْنَى التَّهْدِيدِ، وَتَقْدِيمُ مَعْمُولِ الْفِعْلِ يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ كما تقدّم في إِيَّاكَ نَعْبُدُ «٤» وَإِذَا كَانَ التَّقْدِيمُ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِضْمَارِ وَالتَّفْسِيرِ مِثْلَ زَيْدًا ضَرَبْتُهُ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ كَانَ أَوْكَدَ فِي إِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَهُوَ أَوْكَدُ فِي إِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ مِنْ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَسَقَطَتِ الْيَاءُ مِنْ قَوْلِهِ فَارْهَبُونِ لِأَنَّهَا رَأْسُ آيَةٍ ومُصَدِّقًا حَالٌ مِنْ مَا فِي قوله: بِما أَنْزَلْتُ أَوْ مِنْ ضَمِيرِهَا الْمُقَدَّرِ بَعْدَ الْفِعْلِ أي أنزلته.
(١) . البقرة: ٦٣.
(٢) . المائدة: ١٢.
(٣) . آل عمران: ١٨٧.
(٤) . انظر ص: ٢٧.
1 / 87