ثم النهي هنا قيل: للبطلان بناءً على أنه يقتضي الفساد مطلقًا، والأصح عندنا: خلافه؛ لأن الأصح في الأصول: أن النهي إن كان لذات المنهي عنه أو لوصفه اللازم كالركن والشرط. . اقتضى الفساد في العبادة والمعاملة، وإن كان لأمرٍ خارجٍ أو وصفٍ غير لازم. . فلا فيهما (١)، ولا خيار للمشتري عندنا؛ لتقصيره بموافقة الناجش على الزيادة مع عدم الخبرة، فهو كالمغبون (٢)، ولا خيار له عندنا أيضًا؛ كمن اشترى زجاجةً يظنها جوهرةً، وفارق خياره في التصرية بأنه لا تقصير يُنسَب إليه بوجهٍ.
ويصح أن يفسَّر النجش هنا بما هو أعم من ذلك؛ لأن النجش لغةً: إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، وحينئذٍ فالمعنى: لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال وإيصال الأذى إليه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
وفي حديث: "من غشنا. . فليس منا، والمكر والخداع في النار" (٣).
وروى الترمذي: "ملعونٌ من ضارَّ مسلمًا أو مكر به" (٤)، فعُلِم أنه يدخل في التناجش المنهي عنه هنا جميع أنواع المعاملات بالغش ونحوه؛ كتدليس العيوب وكتمها، وخلط الجيد بالرديء (٥).
وما أحسن قول أبي العتاهية: [من الخفيف]
ليس دنيا إلا بدينٍ وليس الد ... ين إلا مكارم الأخلاق
إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من خصال أهل النفاق
نعم؛ يجوز المكر بمن يحل أذاه وهو الحربي، ومن ثم قال ﷺ: "الحرب خدعة" (٦).
(١) في (غ): (فلا فساد فيهما).
(٢) أي: بغير النجش، فلا يرِد أنه مغبون أيضًا. اهـ "مدابغي"
(٣) أخرجه ابن حبان (٥٦٧) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
(٤) سنن الترمذي (١٩٤١) عن سيدنا أبي بكر ﵁.
(٥) والتدليس: كتمان عيب السلعة عن المشتري، ومنه التدليس في الإسناد؛ وهو أن يُحدِّث عن الشيخ الأكبر ولعله ما رآه وإنما سمعه ممن هو دونه أو ممن سمعه، ونحو ذلك فعله جماعاتٌ من الثقات. اهـ هامش (غ)
(٦) تقدم تخريجه (ص ٩٤) في شرح المقدمة.
1 / 553
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]