380

La Victoria Manifestada en la Explicación de los Cuarenta

الفتح المبين بشرح الأربعين

Editorial

دار المنهاج

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م

Ubicación del editor

جدة - المملكة العربية السعودية

Imperios y Eras
Otomanos
ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات المسائل في الدين إذا أشكلت عليه، ومن ثَمَّ قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (نِعْمَ النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنَّ الحياء أن يسألن عن أمر دينهن) (١).
وفي حديث: "إن ديننا هذا لا يصلح لمستحي -أي: حياء مذمومًا- ولا لمتكبر" (٢).
ثم الحياء بالمد: انقباضٌ وخشيةٌ يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطَّلَع منه على قبيح، وحُدَّ أيضًا بأنه: خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وحدَّه إمام العارفين وسيد الطائفة أبو القاسم الجنيد قدس اللَّه روحه بأنه: (رؤية الآلاء -أي: النِّعم- ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياء) (٣).
وأصله غريزيٌّ، وتمامه مكتسبٌ -كما أفاده بعض الأحاديث السابقة- من معرفة اللَّه ﷾، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهذا هو الذي كُلِّفنا به، وهو من أعلى خصال الإيمان، بل من أعلى درجات الإحسان، وقد يتولَّد الحياء من اللَّه ﷾ من مطالعة نعمه، ورؤية التقصير في شكرها، كما أشار إليه الجنيد بما قدمناه عنه آنفًا؛ بخلاف الأول (٤)؛ لأنه ليس في الوسع، لكنه لكونه من أجلِّ الأخلاق التي يحبها اللَّه ﷾ من العبد ويجبله عليها. . يحمل على المكتسب ويعين عليه، ولهذا قال ﷺ: "الحياء لا يأتي إلا بخير" أي: لأن من استحيى من الناس أن يروه يأتي بقبيحٍ. . دعاه ذلك إلى أن يكون أشد حياءً من ربه وخالقه ﷿، فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب معصية.
ومن ثم قال ﷺ لمن رآه يعاتب أخاه في الحياء: "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان" (٥) أي: من أسباب أصل الإيمان وأخلاق أهله؛ لمنعه من

(١) أخرجه مسلم (٣٣٢/ ٦١)، وأبو داوود (٣١٤)، وابن ماجه (٦٤٢) بنحوه.
(٢) ذكره العلامة المناوي رحمه اللَّه تعالى في "فيض القدير" (٢/ ٢٠٤).
(٣) أخرجه البيهقي في "الشعب" (٧٣٤٨)، وذكره الإمام القشيري رحمه اللَّه تعالى في "الرسالة" (ص ١٧٠).
(٤) في هامش (ج): (أي: الغريزي).
(٥) أخرجه البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمر ﵄.

1 / 384