بكثرة النظر وتظاهر الأدلة (١)؛ إذ لا يمكن إنكار أن إيمان الصديقين أقوى من إيمان نحو المؤلفة، ومن ثَمَّ قال البخاري: عن ابن أبي مُليكة: أدركت ثلاثين صحابيًا كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم من أحدٍ يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل) انتهى ملخصًا (٢).
وإن كانت زيادة إشراقه غير زيادة قوته. . فالخلاف ثابت، لا يقال: تقرر أن الإيمان لا يتحقق بدون القطع وعدم التردد، وقول سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يقتضي عدم الاطمئنان قبل ذلك، فلا قطع؛ لأنا نقول: ليس المراد ظاهره، بل هو مؤولٌ بأمورٍ، أحسنها ما قاله العز بن عبد السلام: أنه قاطعٌ بالإحياء عن دليله، لكنه اشتاق إلى مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب، الذي هو جازمٌ بثبوته، فهو كمن علم ببستانٍ في غاية النُّضرة والخضرة، فنازعته نفسه في مشاهدته، فإنها لا تسكن ولا تطمئن إلا إن شاهدته، فطلب بذلك سكونَ قلبه عن المنازعة إلى رؤية تلك الكيفية المطلوب رؤيتها (٣)، أو أنه طلب العلم البديهي بعد العلم الاستدلالي.
الثانية: قال جمعٌ من الحنفية: الإيمان مخلوقٌ، وكلام أبي حنيفة صريحٌ فيه، وقال آخرون منهم: غير مخلوق، وهما متفقان على أن أفعال العباد كلَّها مخلوقةٌ للَّه ﷾، وبالغ جمعٌ منهم فكفَّروا مَنْ قال بخلقه؛ لما يلزم عليه من خلق كلامه ﷾؛ لأنه ﷾ قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فالمتكلم بها قاطعٌ بكلامه بما ليس بمخلوق، كما أن قارئآيةٍ يصير قارئًا لكلامه ﷾ حقيقة.
ورُدَّ: بأن هذا جهلٌ وغباوةٌ؛ إذ الإيمان وفاقًا: التصديق بالجَنان، أو مع الإقرار باللسان، وكل منهما فعل العبد، وهو مخلوقٌ للَّه ﷾، وأيضًا: فقد قال الفقهاء: لا يكون المقروء قرآنًا إلا بالقصد، وأيضًا يلزمهم أن كل ذاكرٍ، بل كل
(١) هذا هو المعتمد؛ كما في "المدابغي".
(٢) انظر "شرح صحيح مسلم" (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، وكلام ابن أبي مُليكة في "صحيح البخاري" في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
(٣) انظر "الفتاوى الموصلية" للعز بن عبد السلام رحمه اللَّه تعالى (ص ١١٢ - ١١٣).
1 / 171
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]