قال: «نعم يا سيدتي، إنه الكونت يوليان صاحب سبتة.»
قالت: «هو بعينه، هل تسير إليه بهذا الكتاب؟»
فأشار بيديه ورأسه وعينيه أنه يفعل ذلك من كل قلبه، ثم قال: «ولكنني أرى يا مولاتي - قبل كل شيء - أن نعمل على تهيئة مكان أمين لك، أعرف الطريق إليه إذا أنا عدت بالجواب إليك.»
فالتفتت فلورندا إلى خالتها وقالت: «ما رأيك يا خالة؟ أين تكون إقامتنا أقرب إلى الأمن والسلامة؟»
وكانت العجوز مطرقة فبالغت في الإطراق ولم تجب، فأعادت السؤال عليها فرفعت رأسها وفي وجهها ملامح البشر، وقالت: «أظنني عثرت على طريقة لا ترون خيرا لنا منها في هذه الأحوال.»
قالت فلورندا: «وما هي؟»
قالت: «لا يخفى عليكم أن في هذه البلاد أديرة ينقطع فيها الرهبان عن العالم تعبدا لله تعالى، وتكون هذه الأديرة غالبا في البراري أو في الجبال، ومنها ما لا يدخله الناس إلا نادرا، فالرهبان منقطعون عن العالم بأسره، فإذا أقمنا في أحد هذه الأديرة كان في ذلك ستر لحالنا ريثما يتيسر أمرنا ...»
دير الجبل
فتقدم أجيلا وكأنه تذكر أمرا ذا بال، وقال: «لقد أعاد كلام الخالة إلى ذاكرتي أديرة للنساء العذارى. إن الإقامة فيها أولى لمولاتي لأنها تكون بين عذارى مثلها.»
فقطعت العجوز كلامه قائلة: «صدقت يا أجيلا، ولم أكن أجهل وجود هذه الأديرة ولكنني لم أتم كلامي بعد. إن أديرة العذارى مناسبة لي ولفلورندا، ولكننا لا نستغني عن أحدكما معنا، فأين يقيم وإقامته معهن محظورة؟» قالت ذلك وصبرت لحظة وفي ملامح وجهها أنها لم تنته بعد من الكلام، ثم قالت: «في إسبانيا من الأديرة ما يجتمع فيها الرهبان والراهبات معا في دير واحد بدون اختلاط، وذلك أن بعض الأرامل من النساء يرغبن بعد موت أزواجهن في الانقطاع عن العالم والتعبد، فيقمن في أديرة خاصة بهن وقد يكون معهن بعض العذارى، ولكن بعضهن يبالغن في التنسك والرغبة عن العالم، فيقمن في أديرة لا يخرجن منها على الإطلاق، ومثل هذه الأديرة كثيرة في هذه البلاد ولا أظنكم تجهلون وجودها، ولكني أعرف ديرا بين هذه الجبال (جبال طليطلة) خصص جانب منه للرهبان والجانب الآخر للراهبات، وكل طائفة منهما في قسم من الدير لا علاقة لها بالطائفة الأخرى ولا بسائر العالم إلا نادرا، ولا يلتقي الراهبات والرهبان معا إلا في الكنيسة في أوقات الصلاة. وقد علمت من قواعد هذه الرهبنة أن الراهبة لا يمكنها مخاطبة أحد من الناس حتى رئيس الدير أو وكيله إلا بوجود راهبتين أخريين، وهذا التدقيق نافع في منع المحظورات، فأرى - إذا استحسنت فلورندا - أن نذهب إلى ذلك الدير فنقيم أنا وهي في قسم الراهبات، وأنت وأخوك تقيمان في قسم الرجال. نقيم هناك ضيوفا لنرى ماذا يكون.»
Página desconocida