وكأن بنت الإخشيد ندمت على ما فرط منها فاستأنفت الكلام قائلة: «بل أنا مخطئة لا ... لا أريد أن أتصور ذلك ولو بالحلم. يدخل البلاد عدو غريب يحكم في رقابنا؟» ورأت أنها كان ينبغي لها أن تستعطف الكافورية باللين وأنها أخطأت بما قالته فأرادت أن تلقي التبعة على سواها شأن ضعيف الرأي في مثل هذه الحال. فالتفتت إلى الإخشيدية وكانوا لا يزالون واقفين يتحدثون بما أتاه الكافورية، وقالت: «لم يكن ينبغي لكم أن تجافوهم بمثل هذا الكلام وهم إخوانكم وعليهم المعول في الحرب فأغضبتموهم.»
فأجابها أحدهم: «وأنت يا مولاتنا تلقين هذه التبعة علينا؟ وقد سمعت الإهانة التي لحقت بنا وبك وبسائر آل الإخشيد. فليكن ما تشائين ... أو لعلنا أخطأنا بمبايعة الأمير أحمد مع صغر سنه، لكننا لم نفعل ذلك إلا اعتمادا على نصرتك، فإذا كنت ترين أننا غير كفء لشيء فلنذهب.» قال ذلك وتحول وتبعه رفاقه.
فأحست بنت الإخشيد عند ذلك بضعف العزيمة، وأنها أصبحت منفردة لا نصير لها إلا إذا تذللت واستعطفت فانقبضت نفسها وبان الانقباض في وجهها وسكتت هنيهة ولمياء تراقب حركاتها وتقرأ ما يجول في خاطرها.
فلما رأتها في تلك الحال قالت : «ما بال سيدتي كئيبة ... أمن أجل كلمة تنقبض نفسك؟»
فتنهدت وقالت: «آه يا سلامة ليس من أجل كلمة ولكن هؤلاء لا يقدرون العواقب وقد خرجوا من هذه الجلسة أخصاما يتوعد بعضهم بعضا وهم يدنا وساعدنا وجندنا، فبمن نحارب عدونا؟ لا نصالح ولا نقدر أن نحارب. ويلاه ما العمل!» ودمعت عيناها. فأكبت لمياء عليها وضمتها وقبلتها وقد أشفقت عليها وقالت: «لا بأس عليك يا سيدتي لا تخافي.»
فاستأنست بذلك الحنو وقالت: «كيف لا أخاف؟ وإذا كان العدو كبيرا كما يظنون وقدر له الغلب ماذا يصيبني؟»
قالت: «لا يصيبك شيء يا مولاتي.»
قالت: «لا تلطفي الأمر علي ...»
قالت: «إني لا ألطفه ولا يجب مع ذلك أن تيأسي من النصر، ولكن هبي - لا سمح الله - أن العدو اغتنم هذا الضعف وتغلب فأنت في أمان؛ لأن هؤلاء المغاربة مع كونهم أعدائكم أقرب إلى الضن بكم من هؤلاء الأجناد المتمردين.»
فرأت في لهجتها شدة وعزيمة فقالت: «وكيف عرفت ذلك؟»
Página desconocida