Filosofía alemana: una introducción muy corta
الفلسفة الألمانية: مقدمة قصيرة جدا
Géneros
مما لا يمكن إنكاره أنه لا مجال للتفكير في المثالية الألمانية أو تصورها دون التراجيديا اليونانية، بيد أنه في المثالية الألمانية أصبحت الضرورة التراجيدية أمرا محتملا من خلال النظر في ضرورة التغيير. فربما يكون التاريخ مسلخا، لكن العقل يبلغ مراحل أعلى من التطور من خلال إراقة الدماء. وتعد نهاية «أوريستيا» لأسخليوس - التي ينبثق فيها نظام جديد للعدالة من وطيس الرعب الذي يسبقه - نموذجا استدلاليا هنا. وعلى النقيض من ذلك، لا يحمل التأويل اللامثالي للتراجيديا - الموجود لدى شيلينج في أخرياته وشوبنهاور ونيتشه - جانبا خلاصيا؛ حيث يطغى «الآخر» على الأشكال البشرية للنظام، ومثال ذلك عقدة أوديب الذي يصبح عن غير قصد قاتلا لأبيه وزوجا لأمه، أو دمار المدينة بقوى من خارجها في «الباخوسيات». إن البديل التراجيدي المتشائم للنظرة المثالية مضمن في شرح شوبنهاور لكانط؛ إذ تتطلب نظم القرابة، وهي أبسط شكل من أشكال النظام البشري، نوعا من الهويات يعد جوهريا بالنسبة إلى المعرفة. ويرى كانط أن المادة الإدراكية المتلقاة من العالم لا تصير مفهومة إلا من خلال تصنيفها ضمن مقولات وتصورات في أحكام تتيح التعرف عليها بواسطة المادة الأخرى. وفي التراجيديا اليونانية، تكون الأشكال البشرية للتعرف مهددة بالانهيار لكون العالم يتجاوز ما يمكننا معرفته عنه، ومن ثم يمكن النظر إلى هذا على أنه أسلوب آخر لتفسير «الشيء في ذاته» عند كانط؛ حيث يؤدي «تجاوز» العالم لمعرفتنا إلى مواقف تراجيدية، يتم فيها تخطي نظام القرابة بما يؤدي إلى سفاح المحارم وقتل الأم وقتل الأب وقتل الأخ أو الأخت ... إلى غير ذلك. ولا يفصل فكرة «التجاوز» عن نظرية اللاوعي لفرويد، التي تأثرت بشوبنهاور، سوى جزئية صغيرة؛ فبالنسبة لشوبنهاور، ما هو ظاهر - كأفكار الأنا لدى فرويد - يهدم على أساس من اللاوعي، وبذلك تصبح تفرقة كانط بين «المظاهر» و«الأشياء في ذواتها» تفرقة بين العالم ك «تمثيل» والعالم ك «إرادة».
وبينما يرى كانط أنه لا يوجد وصول إلى العالم في حد ذاته، فإننا نحظى بإمكانية وصول إلى العالم كإرادة من خلال تجارب نملك القليل من السيطرة عليها، مثل الجوع والدوافع الجنسية. والتمثيلات هي موضعة ل «الإرادة» اللاظاهرة، التي هي أساسها؛ «فالأسنان والمريء والأمعاء هي جوع مموضع، والأعضاء التناسلية هي الدافع الجنسي المموضع»، ويطلق شوبنهاور على هذا الأساس مسمى «الإرادة» لأنها - مثل الأساس «المعقول» لحرية الإرادة الأخلاقية الكانطية - ليست جزءا من العالم الزمكاني، لكن لا توجد أخلاقية في الإرادة؛ فهي دافع أعمى يعارض نفسه بنفسه باستمرار عن طريق التخلي عن الأشكال الموضوعية وهدمها. والوصول إلى الإرادة لا يمكن أن يكون معرفيا؛ لأن ما نعرفه هو عالم «التمثيل»، ومن ثم فهذه حالة أخرى من «الحدس»، وهي تطرح مجددا السؤال عن الكيفية التي يمكن من خلالها شرعنة الدعاوى المتعلقة بالحدس. فكيف «عرف» شوبنهاور أن صورته هي الصورة الميتافيزيقية الحقة للكون؟ ولكن مرة أخرى حتى إذا لم يتسن إثبات وجهة النظر الفلسفية، فإن رؤيته تكشف شيئا عن الطريقة التي يرتبط من خلالها الجنس البشري الحديث بالعالم. وعلى الرغم من أنه من الخطأ اختزال الفلسفة في التاريخ، فمن المذهل رغم ذلك الكيفية التي انتشرت بها رؤى عن الطبيعة الجوهرية المعادية للواقع - من شوبنهاور إلى دارون إلى نيتشه - في وقت تنتج فيه الرأسمالية الحديثة عالما اجتماعيا سياسيا متزايد العداء، يتحرك صوب الحروب العالمية والهولوكوست.
ولعله من المفاجئ أن يقترح شوبنهاور رؤية أفلاطونية عن الجوهر اللازماني لموضوعات العالم الطبيعي العابرة المتنافسة، ومع ذلك فالجوهر المؤثر لرؤية شوبنهاور يكمن حقا في معارضته لأي إحساس بالغائية الطبيعية أو الإنسانية؛ فالتاريخ هو «علم الحيوان» بالنسبة لجنس الإنسان العاقل، وليس شيئا يمضي باتجاه هدف. وثمة طريقة واحدة فقط يمكن بها للجنس البشري أن يفر من عالم يأكل فيه أو يؤكل، وهذه الطريقة هي إدراك أن وعينا بالعذاب المتأصل في الإرادة إنما ينبع من كوننا كائنات متفردة. ونحن على دراية بضعفنا وفنائنا لأن الوعي بالذات يفصلنا عن بقية الواقع؛ ومن ثم ينبغي أن يقودنا هذا الوعي إلى البحث عن وسائل للفرار من التفردية. ويعد شوبنهاور من أوائل الناس في أوروبا الذين أخذوا الفلسفات غير الغربية مأخذ الجد؛ فهو يستعين بفكرة النرفانا البوذية لاقتراح طريقة الفرار من السجن في عالم تسوقه الإرادة.
ويعتبر شوبنهاور التأمل الجمالي هو الطريقة المثلى للفرار - وإن كانت مؤقتة - من الطبيعة الحقيقية للوجود، والموسيقى هي الفن الذي يتيح هذا الفرار على النحو الأمثل؛ لأنها لا تمثيلية بدرجة كبيرة. فالموسيقى هي تجسيد مباشر لحركة الإرادة، ونموذجه هو ابتعاد اللحن عن القرار الموسيقي وعودته إليه؛ فتلك الموسيقى تعكس كيف تتحرك الإرادة من الإشباع إلى السخط، ثم عودا. وتستخدم الموسيقى مصدر سخطنا لإعطائنا فترة راحة منه؛ فهي «لا تتحدث عن الأشياء، بل عن لا شيء سوى العافية والمحنة، اللتين هما الحقيقتان الوحيدتان للإرادة.» وهذه هي الرؤية التي أثرت على فاجنر، ولا سيما في «تريستان وإيزولده» والأجزاء اللاحقة من «حلقة النيبلنغين». وتقدم هذه الأعمال الأوبرالية رؤى العبثية المطلقة للتطلعات الإنسانية الاجتماعية التي تتعارض مع التعلق المبكر لفاجنر في أربعينيات القرن التاسع عشر بفكرة الثورة المخلصة القائمة على الحب، والتي استمدها من فويرباخ.
أبولو وديونيسوس
استهوى تشاؤم فاجنر الأوبرالي نيتشه في صغره، ورأى أن الموسيقى تعكس عرض التراجيديا لأسوأ الأشياء في شكل مظهر جمالي، ومع ذلك فإن عمله ككل يمثل ازدواجية في تقويض الحداثة لعلم اللاهوت؛ فهو ينتقل من تشاؤم كتشاؤم شوبنهاور أو تشاؤم فاجنر في أعماله الأخيرة، إلى فكرة أن الرؤية المتشائمة للحياة هي نفسها بقية اعتقادات لاهوتية وميتافيزيقية مخيبة للآمال؛ ففكرة النظر إلى العالم على أنه مكان مريع لا يكون لها معنى إلا إذا كان المرء يظن في وجود عالم حقيقي غير مريع، يمكن من خلاله الحكم على هذا العالم، وإذا كانت فكرة هذا العالم الحقيقي وهما، فينبغي للمرء أن يقر بالعالم الذي نحيا فيه بالفعل. والبديل هو ما يعنيه نيتشه ب «العدمية»، التي هي نتيجة لفقدان الاعتقادات الميتافيزيقية والإخفاق في قبول النتائج؛ فالإخفاق في قبول أنه لا توجد مدعاة للجوانب المريعة من الواقع يولد «الاستياء»، وهو الرغبة في إلقاء اللوم على شيء خارجي بسبب موقف المرء، والاستياء هو سمة مميزة لما يسميه «أخلاق العبد» المسيحية، التي تبغي الخلاص من المعاناة عن طريق إظهار أن للمعاناة غاية.
يعتمد أول عمل بارز لنيتشه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» (1871) على ميتافيزيقا شوبنهاور، التي يترجمها إلى حبكة مستمدة من الميثولوجيا اليونانية التي استخدمها بالفعل كل من فريدريش شليجل وشيلينج للرمز إلى طبيعة الوجود الإنساني المنقسمة. يرمز «أبولو» إلى عالم «التمثيل»، وإلى أي شيء يمكن أن يكون له شكل يمكن التعرف عليه، أما «ديونيسوس» فيمثل الإرادة التي تتلاشى فيها التفردية «ويفقد المرء نفسه». وتتطلب التراجيديا التفاعل بين أبولو وديونيسوس، مع موسيقى تعبر عن العنصر الديونيسوسي الذي لا يمكن للكلمات نقله؛ فالعنصر الديونيسوسي يؤدي إلى مظاهر متغيرة باستمرار، بينما لا يظهر هو نفسه، وليس لديه هدف. ومع ذلك، فقد ألمح إلى رفض نيتشه اللاحق لشوبنهاور في حقيقة أن الفن التراجيدي ليس وسيلة للفرار من وجود تدفعه الإرادة بقدر ما هو تجسيد للإبداع الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش، على الرغم من أنه في النهاية بلا معنى؛ «لأن الوجود والعالم يتم تبريره دوما كظاهرة جمالية فحسب.» ومن الملاحظ أن هذه الذروة متصلة بتقييم تراجيدي غير لاهوتي من الأساس لمعنى الوجود الإنساني.
وقد أشار جاكوبي إلى أن رؤية العالم ككل من منظور علمي، من خلال «مبدأ السبب الكافي» - أي أن «لكل شيء سببا/علة/أساسا» - قاد إلى «الهاوية»؛ لأنه يولد تسلسلا لا نهائيا من أسباب الأسباب. ويتبنى نيتشه رؤية جاكوبي كطريقة للتشكيك في التفاؤل العلمي الذي كان ملمحا للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان لدى أولئك الذين يتشاركون هذا التفاؤل «اعتقاد لا يتزعزع بأن التفكير إنما يصل إلى أعمق هاويات الوجود، من خلال خيط السببية الاستدلالي». وبينما يستخدم جاكوبي الإيمان بالإله كطريقة للفرار من التسلسل الذي يولده هذا الخيط، يظن نيتشه أن التراجيديا هي الإقرار بأنه لا شيء يقدم سببا عقلانيا للوجود؛ فقد زعم نيتشه زعما غريبا في ظاهره، أنه لا يمكن تبرير الوجود أو احتماله من دون «ضرب أو آخر من ضروب الفن، كالدين والعلم على وجه الخصوص»، وهذا معناه أن جميع أشكال الإنتاج العقلي هي «فن»؛ لأنها تضفي شكلا على ما لا يمكن تشكيله دونها.
وبالطبع، فإن إطلاق مسمى «فن» على العلم استفزاز متعمد؛ ففي الفلسفة الألمانية من منتصف القرن التاسع عشر فصاعدا، يميل الفلاسفة إما إلى اعتبار الإنسانيات أدنى منزلة من العلوم الطبيعية، وإما إلى البحث عن منهج للعلوم الإنسانية يجعلها على القدر نفسه من الدقة التي يفترض أن تكون عليها العلوم الطبيعية (انظر الفصل السابع). ويحاول نيتشه إبطال التفرقة بين العلم والفن برفض إعطاء أولوية لأي تصور للعالم؛ فهي كلها مجرد طرق بشرية للتعامل مع الوجود. ومن ثم، فجميع التصورات الإنسانية هي نوع من الخرافة، ويعكس إحياء فاجنر للخرافة في مسرحياته الموسيقية قبولا تراجيديا جديدا لحدود القدرة على السيطرة على الوجود، والنتيجة أن براعة الموسيقى ربما تماثل براعة الفلسفة في تقديم تبصرات في طبيعة الوجود. وينطوي العالم المعاصر على معركة - كما يزعم نيتشه - بين «المعرفة المتفائلة على نحو لا يمكن إشباعه، والحاجة التراجيدية للفن»، وما يهم هو معرفة إن كانت أعمال المرء تجعل وجوده ذا معنى، حتى وهو يواجه المخاوف التي من المحتمل دائما أن ينطوي عليها. ولأن الموسيقى تتصل بالجوانب السلبية من الوجود - حيث يروى عن شوبرت أنه قال ذات مرة إنه لم توجد حقا موسيقى سعيدة - فإن للموسيقى مصدر التراجيديا نفسه، لكن يمكنها أيضا أن تكون حافزا يعاش عليه.
هدم الفلسفة
Página desconocida